السبت 4 تشرين الثاني 2017 - 8:12
تاريخ بيروت العُثماني المُحتضر
باسم فليفل
لا يُخفى على أحد من أبناء مدينة بيروت المحروسة مدى تآكل تاريخ مدينتهم وثقافتها وصورتها التي ميَّزتها عن سائر مُدن لُبنان وبلاد الشَّام والوطن العربي. فالناظر والعارف بِتاريخ هذه المدينة يجد أنها في حالة احتضار ثقافي – تاريخي، أي أن سمتها التاريخيَّة – الثقافيَّة دخلت طور النزاع، إن لم تكن قد اندثرت في بعض جوانبها أصلًا، لأسبابٍ مُتنوعة، ولولا جُهُود بعض الأطراف على المُستوى الشخصي لكان الحال أسوأ مما هو عليه، وما كان ليبقى معلمًا مُميزًا لِبيروت.
ما يعنينا في هذا السياق هو تاريخ بيروت العُثمانيَّة. فالدولة العُثمانيَّة هي آخر دولة إسلاميَّة حكمت هذه المنطقة، وشكَّلت بيروت وسائر المناطق اللُبنانيَّة والشَّاميَّة جُزءًا مُهمًا منها طيلة 400 سنة، من أصل 600 سنة تُشكِّل عُمر هذه الدولة. ولأنَّ الدولة العُثمانيَّة هي آخر دولة صاحبة حضارة وثقافة مُميزة مرَّت على هذه المدينة، فالمفروض – منطقيًا – أن تكون أغلب الآثار الباقية فيها، والأكثر صُمودًا، هي عُثمانيَّة شُيِّدت ما بين سنتيّ 1516 و1918م، وهي الفترة التي كانت فيها بيروت جُزءًا من الدولة العُثمانيَّة. وبِالفعل، فإنَّ أغلب المعالم العُمرانيَّة والثقافيَّة الحيَّة في بيروت اليوم ترجع لِلعصر العُثماني، لكنها تبدو للناظر وكأنها ترجع لِعُهُودٍ أقدم لِشدَّة ما لحق بها من خراب.
كانت الحرب الأهليَّة اللُبنانيَّة (1975 – 1990م) أعظم بلاءٍ مرَّ على تلك المعالم التي كان أغلبها يقع في الوسط التجاري لِبيروت، أي ما يُمكننا تسميته بِـ«بيروت القديمة»، فوقعت ضحيَّة القصف العشوائي بِالقذائف والقنابل، ونالت نصيبها من رصاصات المدافع الرشَّاشة، بحيث أنَّ الكثير منها لم يكن إنقاذه مُمكنًا بعد انطلاق ورشة إعادة الإعمار، فهُدم وأُزيل من الوُجود. الطريف أنَّ بعض تلك المباني العُثمانيَّة في وسط المدينة استحمل قذائف وقنابل مُتطوِّرة وبقي صامدًا لا ينهار، في حين أنَّ مبانٍ مُعاصرة – آنذاك – كان يكفيها قذيفة واحدة أو اثنتان لتنهار. البعض الآخر من تلك المعالم وقع ضحيَّة الإهمال المُتعمَّد زمن الانتداب الفرنسي على سوريا ولُبنان حيثُ عمل الفرنسيُّون ومن والاهم على إقصاء الوجه الحضاري العُثماني «الإسلامي» لِلبلاد التي احتلُّوها بعد انهزام الدولة العُثمانيَّة في الحرب العالميَّة الأولى، واستبداله بوجهٍ غربي، والسير بِتلك البلاد رويدًا رويدًا بعيدًا عن الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة. كذلك، وقع المزيد من تلك المباني والمعالم ضحيَّة إهمال المرجعيَّات المُختصة في الدولة اللُبنانيَّة بعد الاستقلال، ففي حين أنَّ كُل الدُول المُتحضرة والمُتقدمة تعمل على صيانة آثارها – على اختلاف نوعها والفترة الزمنية التي تعود لها – بِمُختلف الوسائل بما فيها دفع مبالغ ماليَّة لأصحاب تلك المباني لِضمان استمراريَّة صيانتها أو عدم هدمها مهما وصلهم من إغراءات، وصيانة المناطق ذات الطابع الثقافي المُميز كي تبقى جاذبة وجذَّابة ومُمتعة للناظر. لكن ما حصل كان إهمال مثل تلك المناطق حتَّى تحوَّلت لمناطق شعبيَّة لا تليق بِالناس ولا بِتاريخها. على سبيل المِثال كانت مناطق المصيطبة والباشورة وزقاق البلاط والبسطة تُعتبر مناطق أرستقراطية في العهد العُثماني وبدايات عهد الانتداب الفرنسي، وبعضها استمرَّ هكذا، أو كمنطقة مُتوسطة الحال على الأقل، حتَّى قُبيل الحرب الأهليَّة، والعابر فيها اليوم يُلاحظ عشرات المباني عُثمانيَّة الطراز التي أكل الدهر عليها وشرب، وعانت الأمرَّين من الاعتداءات العشوائيَّة: بناء إضافي فوقها، هدم قسم منها لإفساح المجال لِبناء عمارة...إلخ، بل إنَّ بعض تلك المناطق تشهد مُخططات بلديَّة لِتوسعة الطُرق أو فتح طُرق جديدة، وجرف ما يقع في درب تلك الطريق مهما كانت قيمته التاريخيَّة والثقافيَّة. وهُنا لا بُد من الإشارة إلى أنَّ أي قانونٍ في العالم، بما فيه القانون اللُبناني، ينص على تغليب المصلحة العامَّة على الخاصَّة، وبالتالي فإنَّ الشارع الذي يخدم المصلحة العامَّة يُشق طالما أنَّ الإفادة منه تفوق الضرر، ولا غُبار على هذا الكلام ولا اعتراض، سوى أنَّ التوازي مطلوب، والمُشكلة تبرز حينما تتراكم أخطاء الجهات المعنيَّة عبر السنوات ولا تُعالج بِالشكل السوي، فنصل إلى مرحلة الحل الجذري، وكأن مريضًا أهمل علاج يده المُلتهبة بالمُضادات الحيويَّة، فوصل الأمر إلى ضرورة بترها لإنقاذ حياته.
بالإضافة إلى ما ذُكر، لا يُخفى أثر الخلافات العائليَّة والأوضاع الاقتصاديَّة الصعبة على مصير تلك المعالم، وهذان العاملان هما أصل الفساد الذي سيدفع بفُلان إلى التلاعب على القانون أو خرقه في سبيل تحقيق مصلحته الشخصيَّة. أذكر هُنا إحدى المباني الواقعة على ناصية شارع في منطقة كركول الدُرُوز، والتي يُفترض أنه شارع ذو طابع تُراثي لِكثرة ما يحويه من أبنية تعود لِلعصر العُثماني ولِلعهد الفرنسي، إذ هُدم بين ليلةٍ وضُحاها، ومُنذُ بضع سنوات هُدمت بضع مبانٍ تُراثيَّة عُثمانيَّة في منطقة الأشرفيَّة في حيٍ موسومٍ على أنه ذو طابع تُراثي، مما دفع أحد الشباب يوم ذاك إلى أن يُضيف عبارة «كان»على اللوحة المعدنيَّة المُثبتة، فأصبحت العبارة «كان ذو طابع تُراثي»، وظهرت تلك القصة بنشرة الأخبار المسائيَّة على قناةLBC. كذلك، فإنَّ عامَّة الناس ما تزال تنبهر بكُل ما هو جديد وأجنبي وتسعى لِتطبيقه على أساس أنه مظهر من مظاهر التقدُّم والتحضُّر، ويكفينا المثل الشعبي القائل «كل شي افرنجي ابرنجي» لِيعكس طريقة تفكير الناس، فعامَّة اللُبنانيين والعرب مستهلكين للأخبار والمصادر والأفكار الغربيّة،يتعلَّمون عن ذاتهم ويُعبرون عنها«عبر صور وتاريخ ومعلومات يصنّعها ويسوّقها الغرب».
إن المرء غير العارف بِتاريخ هذه المدينة، أو غير المُهتم، سيرى أنَّ الوسط التجاري وبعض المناطق العامرة الأُخرى في بيروت المحروسة يعكس مظهرًا حضاريًا جميلًا لِلمدينة، وبالفعل فإنَّ هذه المنطقة هي أجمل مناطق بيروت اليوم، لكنها أتت على حساب تُراث المدينة وهويتها للأسف، وفي المناطق الأُخرى طغت العمارات الحديثة، وقضت، على كُل أسلافها العائدة للعصر العُثماني، والناظر من أعلى إحدى تلك المباني يُلاحظ مدى قلَّة التناسق وكثرة العشوائيَّة في تلك المباني، فلا تقارب ولا تناسق في الارتفاع ولا في نمط البناء، وما يصدق على الأبنية يصدق على الكثير من المهن والحرفيَّات الجميلة التي كانت تُميِّز بيروت في العهد العُثماني، التي انقرض بعضها بسبب تطوُّر ظُروف الحياة، بينما اندثر بعضها الآخر جرَّاء الأوضاع الأمنيَّة والاقتصاديَّة الصعبة التي مرَّ بها لُبنان خِلال الحرب الأهليَّة وما بعدها، فإنَّ المرء قلَّما يجد صنعة أو مهنة اليوم ورثها الأبناء عن الآباء والأجداد، وإن وُجدت كثيرًا ما تكون منفيَّة في إحدى زوايا المدينة لا تحظى بالشُهرة التي تستحقها. فالأوضاع الاقتصاديَّة والأمنيَّة الصعبة دفعت بجيل الشباب إلى البحث عن مصادر الرزق خارج بلاده، وتُركت مصالح أبائهم وأجدادهم بلا راعٍ، ولم تتجدد إدارتها ولم يدخلها دمٌ جديد بِفكرٍ عصريّ، فانكفئت وتراجعت واختفى بعضها أو انكفئ. وأصبح بالإمكان القول أنَّ بيروت أضحت بلا هويَّة، وأُلبست هويَّة جديدة لم تكن يومًا هويَّتها، وكأن الأمر أشبه بِوضع تُركيَّا قبل العهد الكمالي وبعده، إذ كانت لها سمتها وهويتها المشرقيَّة الخاصَّة، ثُمَّ أصبحت دولةً تأخذ بِمظاهر الغرب خلال سنواتٍ قليلة. لا بل يُمكن القول أنَّ وضع تُركيَّا بقي أفضل، إذ رُغم تبدُّل أيديلوجيَّة الدولة إلَّا أنها بقيت تُحافظ على تُراثها وتفتخر به، فلم نرَ تبديلًا أو مُحاولة لِتبديل إسم شارع أو جادَّة، ويستطيع الزائر اليوم رؤية مدى رعاية الدولة التُركيَّة لِلمناطق التاريخيَّة في إسطنبول وغيرها من المُدن، وكيف أنَّ أسماء كبار التُجَّار وأرباب المصالح ما تزال كما هي مُنذُ العصر العُثماني.
مما يُؤسف لهُ أنَّ خسارة معالم بيروت المعماريَّة العُثمانيَّة يعني اندثار كنز قلَّ مثيله في العالم، فنمط الشُرفات الواسعة ذات القناطر والواجهات الزُجاجيَّة والصالة التي تُحيط بها الغُرف تفرَّدت به بعض مُدن بلاد الشَّام دون غيرها، وقد تعرَّض لِلإبادة في الكثير منها، وما بقي منه ينتظر ذات المصير، والمُفارقة أنَّ حُكومة الإحتلال الإسرائيلي تعتني بِالأبنية ذات النمط المذكور بحيثُ أنَّ تلك الموجودة في إسرائيل اليوم أفضل حالًا من نظائرها في لُبنان وغيره من بلاد الشَّام، وتدَّعي الحُكومة الإسرائيليَّة أنها كنزٌ وطني إسرائيلي. فالاحتلال خلق لنفسه هويَّة بِالقُوَّة، ونحنُ أصحاب الأرض نُمعنُ هدمًا بهويَّاتنا وتُراثنا، في سبيل «التقدُّم».
*باحث
: باسم فليفل
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



