السبت 9 كانون الأول 2017 - 8:31
العصر الأسود للإسلام
باسم فليفل
في يوم 9 صفر 656هـ المُوافق فيه 10 شُباط (فبراير) 1258م، فيما كانت بقايا الممالك الصليبيَّة في الشَّام تجثم على صُدُور العرب والمُسلمين، حلَّت كارثة الكوارث والبلاء الأعظم بِالمُسلمين - حتَّى ذلك التاريخ – إذ اقتحمت جُيُوش المغول الجرَّارة مدينة بغداد عاصمة الدولة العبَّاسيَّة ومركز الخِلافة الإسلاميَّة، فأمعنوا فيها تدميرًا وتخريبًا، فأُحرقت معالمها التاريخيَّة ورُميت كُتُب العلم النفيسة في نهر دجلة، وتقول الأُسطورة الشعبيَّة المُتوارثة أنَّ المغول صنعوا من المُجلَّدات جسرًا تعبر عليه خُيُولهم فوق النهر، وقيل أيضًا أنَّ دجلة اسودَّت مياهه لكثرة الحبر الذي سال من الكُتُب. وارتكب المغول مجزرةً عظيمة بِالأهالي، لو أنها وقعت في زماننا لقيل أنها جريمة حرب أو جريمة ضدَّ الإنسانيَّة – لو قرر الإعلام الغربي أنَّ العرب والمُسلمين يقع عليهم ما يقع على سائر البشر من مظالم وانتهاكات – وتراوح عدد القتلى بين 90,000 و200,000 وفق بعض التقديرات، وحسب المصادر الفارسيَّة فإنَّ القتلى تراوح عددهم ما بين 800,000 إلى 2 مليون، وقال المُؤرِّخ ابن تغري بردي (813هـ - 874هـ \ 1410م – 1470م) أنهم بلغوا أكثر من 1,800,000 نفس، أو مليوني نفس، فيما رجَّح الإمام شمس الدين الذهبي (673 هـ - 748 هـ \ 1274م - 1348م) في كتابه «تاريخ الإسلام» أن القتلى كانوا 800,000 نسمة. وقد تناثرت الجُثث في الطُرقُات فكانت كالتلال، ثُمَّ تساقطت عليها الأمطار فأنتنت المدينة، وتغيَّر الهواء، واضطر المغولإلى نقلمعسكرهم من المدينة بِسبب رائحة العُفونة التي انطلقت من جُثث القتلى. وحصل بِسبب ذلك وباءٌ شديد حتَّى تعَدَّى وسرى في الهواء إِلى الشَّام، فمات خلقٌ كثيرٌ من تغيُّر الجوِّ وفسادِ الرِّيحِ في حلب ودمشق. يقولُ ابن كثير في هذا المجال: «فَاجْتَمَعَ عَلَى النَّاسِ الْغَلَاءُ وَالْوَبَاءُ وَالْفِنَاءُ وَالطَّعْنُ وَالطَّاعُونُ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ». وسُرعان ما أُصيب بالوباء الكثير من الأشخاص الذين نجوا من المذبحة، فماتوا هم أيضًا.
كان بطل هذه المذبحة هو القائد المغولي الشهير هولاكو خان، الذي اعتدنا مُنذُ صغرنا، ومُنذُ أن تلقينا في مدارسنا دُروس التاريخ الأولى عن حضارة العرب والإسلام أن نلعنه ومن سار معه لتدمير بلادنا وحضارتنا ولطالما ألقت الكُتُب المدرسيَّة والمواقع الإلكترونيَّة البسيطة اللوم عليه وعلى المغول في أنهم سبب ضياع الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة. ولم نتعلَّم النظر إلى أنفسنا وإلى الأسباب الداخليَّة التي أفضت إلى انهيار الدولة العبَّاسيَّة ووُقوعها لُقمة سائغة بِيد المغول؛ فما أشبه اليوم بِالأمس، وكم تشابهت الظُروف واختلفت الأسماء، وكم تبدَّل حال العرب والمُسلمين نحو الأسوء من تلك الأيَّام حتَّى هذا اليوم، وكـأن نبوءة الرسول مُحمَّد ﷺ قد تحقَّقت: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، فقال قائل: «ومن قلَّةٍ نحنُ يومئذٍ يا رسول الله؟»، فقال ﷺ: «بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله من صُدُور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قُلوبكم الوهن»، فقال قائل: «يا رسول الله، وما الوهن؟»، فقال ﷺ«حُبُّ الدُنيا وكراهيَّةُ الموت». لقد ظنَّ المُسلمون يوم سقطت بغداد أنَّ تلك الجحافل إنما هي جحافل قوم يأجوج ومأجوج المذكورين في القُرآن الكريم:﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾[سورة الأنبياء، الآية 96]وفي الكتاب المُقدّس: «جوج وماجوج، ليجمعهم للحرب، الذين عددهم مثل رمل البحر»[سفر رؤيا يُوحنَّا، الإصحاح العشرين، الآية 8]ثُمَّ قال الناس أنَّ اكتساح المغول للعالم الإسلامي كان بِسبب الأخطاء والخطايا التي ارتكبها المُسلمون، واستذكروا قول الرسول مُحمَّد ﷺسالف الذِكر، وقال آخرون بأنَّ ما جلب المغول إلى ديار المُسلمين كان الخيانة الداخليَّة والتخاذل والتهاون، وفي الحقيقة فإنَّ ما حلَّ بِالمُسلمين آنذاك هو النتيجة الطبيعيَّة لِكُل تلك العوامل مُجتمعةً، تمامًا كما هو الحال اليوم؛ ولم يكن المغول سوى الصفعة التي تلقَّاها العرب والمُسلمين للاستيقاظ من كبوتهم وغفلتهم، ونلمسُ هذا في إحدى الروايات الشعبيَّة المُتناقلة عبر الأجيال – التي لا يبدو أنَّ لها سند تاريخي على أنَّ عبرتها صحيحة – وهي تقول أنَّ المغول بعدما فعلوا فعلتهم ببغداد وقتلوا الخليفة العبَّاسي المُستعصم بالله، جمعوا عُلماء المدينة وأكابرها وأدبائها وفلاسفتها وقادتها وكُل من كان من أصحاب النفوذ فيها، وأجلسوهم على الأرض يستعرضونهم، فمرَّت زوجة هولاكو أمام هذا الرتل البشري، وتحرَّشت بأحد العُلماء المُسلمين مُتعمِّدةً استفزازه، فتباهت كيف أنَّ المغول أسقطوا أكبر مدينة على وجه الأرض واستعبدوا أعلامها وأنَّ الله لم يُنقذ المُسلمين من براثن المغول، رُغم ما يؤمن به المُسلمون من أنهم أصحاب الدين الحق الذي لا دين سماوي بعده، فأجابها الشيخ المذكور بما معناه: أنَّ الأغنام عندما تشرد عن الطريق التي يرشدها إليها الراعي، لا بُد لها من كلبٍ أو أكثر تنبح عليها وتُخيفها لتُعيدها إلى الطريق الصحيح.
عادت عجلة التاريخ فينا إلى الوراء، وها هي اليوم إسرائيل تجثم على صُدُورنا، رُغم أننا كعرب يصل عددنا إلى حوالي 450,000,000 نسمة والإسرائيليين (اليهود فقط دون عرب 48) إلى 6,484,000 نسمة ، وقادتها يُقولون علنًا وبكُل وقاحة أنهم قادرون على القيام بأي عمليَّة عسكريَّة في أي مكانٍ بأي دولة عربيَّة أو إسلاميَّة أو حول العالم متى ما شاؤوا، كما حصل أثناء حرب تمُّوز سنة 2006م عندما أجرى الإسرائيليُّون عمليَّة إنزال جوِّي في بعلبك وتفاخروا بإنجازهم على أنه نجح، وكما فعلوا قبلًا حينما وصلت دبَّاباتهم إلى بيروت زمن الاجتياح سنة 1982م عندما أُعلن أنَّ حُدود إسرائيل أصبحت تمتد إلى بيروت، واليوم هاهو الرئيس الأمريكي يعترف ببيت المقدي الشريف عاصمة إسرائيل القائمة غصبًا عن أهل الأرض، ضاربًا بِعرض الحائط مشاعر ملايين العرب ومليار ونصف مُسلم حول العالم، فهل من شك أننا كغثاء السيل وأنَّ عدُونا نُزعت مهابتنا من نفسه؟
عندما سقطت بغداد بيد المغول كانت سُلطة الخلافة العبَّاسيَّة أصبحت إسميَّة على أغلب حُكَّام العرب والمُسلمين، الذين انشغلوا في القتال فيما بينهم بدل التفرُّغ لِقتال عدُّوِّهم الوحيد، فكانت مصر بيد المماليك والشَّام بيد الأيُّوبيين، وتصارع هؤلاء حول تزعُّم مصر، وكان الأيُّوبيين أنفسهم يتصارعون فيما بينهم، فقاتل أيُّوبيُّو الشَّام أبناء عُمومتهم في الموصل، وتودد أيُّوبيّ الشَّام لِأُمراء الصليبيين وتنازلوا لهم عن بيت المقدس التي استرجعها صلاح الدين قبل سنوات، وكُل ذلك في سبيل الحفاظ على عُروشهم، وتصارع مماليك مصر على العرش أيضًا، فكان مماليك السُلطان الفُلاني يعتبرون أنفسهم الأحق بالسُلطة كون سُلطانهم الراحل كان حاكم البلاد، فيما اعتبر مماليك آخرون أنَّ سُلطانهم الذي أمسك زمام الحُكم هو الأحق بعدما أسقط سلفه أو قتله، وكان أهالي بغداد أنفسهم في تناحر مُستمر بسبب الخلافات المذهبيَّة، وتُشير بعض المصادر إلى أنَّ بعض الطوائف الدينيَّة حالفت المغول ضدَّ إخوانهم في بغداد وغيرها، ولمَّا أمسك المغول بِزمام الأُمور بعد سُقُوط بغداد، فعلوا بهؤلاء كما يفعل اليوم أي جهاز مُخابرات بِعُملائه: قتلوهم شأنهم شأن أي بغدادي أو عربي أو مُسلم. كُل ذلك في الوقت الذي كان فيه أهالي الأندلُس يفقدون المزيد من بلادهم ويتراجعون جنوبًا.
فما أشبه اليوم بالأمس: دُولنا العربيَّة والإسلاميَّة تتناحر فيما بينها وتتقاتل على تنمية نُفوذها في دُولٍ عربيَّة وإسلاميَّة مثلها! وتتسابق على طرح الحُلُول والمُقترحات من أجل إحلال السلام مع إسرائيل بدل إيجاد حُلُول لحفظ ماء الوجه على الأقل أمام الغرب وسائر العالم، في الوقت الذي يُعاني فيه أهالي سوريا والعراق واليمن وماينمار وغيرهم. ومُجتمعاتنا يزداد فيها الشرخ الثقافي والفكري والتناحر بسبب استقطاب الحُلُول الغربيَّة لِمُشكلاتنا، وبسبب استقدام القيم الثقافيَّة الغربيَّة دون غربلتها ومُعالجتها أولًا بحيث تتأقلم مع مُجتمعاتنا وعاداتنا وتقاليدنا وقيمنا، والإصرار على تأقلمنا نحن معها أو طرح هويتنا جانبًا واقتباس هذه الأفكار والقيم والحُلُول كهويَّة جديدة. وها نحن نتشاجر ونتجادل فيما بيننا عن ضرورة الاعتراف بالزواج المدني وزواج المُسلمة من غير مُسلم والاعتراف بُحقوق المثليين (دون التفاتٍ لموروثنا الديني الإسلامي والمسيحي) وتقبُّل أشياء عديدة أُخرى ليست من ثوبنا ولن تكون يومًا، وأصبحت قضيَّة القدس قضيَّة المقدسيين بعد أن كانت قضيَّة كُل فلسطين وقبلها كُل العرب وقبلها كُل المُسلمين. كُل ذلك في الوقت الذي تُحاك فيه المؤامرات الغربيَّة والروسيَّة والإسرائيليَّة لِهذه البلاد ويزداد تفتتها وتراجعها على المُستويات العلميَّة والثقافيَّة والاقتصاديَّة، وتُحضَّر لِمزيدٍ من الاقتسامات والانقسامات، أولها ما زُرع في النُفُوس من أنَّ هُناك إسلام «مُتطرِّف» وإسلام «مُعتدل»، والإسلام كان وسيكون دائمًا إسلامٌ واحدٌ فقط: دين الرحمة والسلام ولو اختار بعض الحاقدين النقاط السوداء التي وقعت خِلال هذا التاريخ المُمتد عبر أكثر من 1400 سنة، والتي كانت أخطاءً فرديَّة يتحمل أصحابها وزرها يوم القيامة، وسلَّطوا الضوء عليها وقالوا هذا إسلامكم. وما يظهر اليوم من خطر الجماعات الإرهابيَّة إنما هو نتيجة القهر المُتراكم – يُضاف إليه عامل العقيدة الفاسدة عند هؤلاء وسُهولة التلاعب بِعناصرهم نتيجة جهلهم وقلَّة علمهم – ويا ليت دُولنا ركَّزت على اقتلاع الإرهاب من جُذوره عبر فرض التعليم وتأمين الخدمات لِلمحرومين وضمان العدل، بدل صرف تلك الأموال على الصواريخ والقذائف المُخصصة لِقصف هؤلاء.إنَّ التهاون وتهافت الأعداء من الداخل والخارج إنما هو صفعة العصر كي يستيقظ العرب والمُسلمين من كبوتهم.
أخيرًا يبقى القول أنَّ ابن الأثير قال في سُقُوط بغداد: «لَقَد بَقِيتُ عِدَّة سِنِينَ مُعرِضًا عَن ذِكرِ هَذِه الحَادِثَة اسْتِعْظَامًا لَهَا، كَارِهًا لِذِكرِهَا، فَأَنَا أُقَدِّمُ إِلَيهِ رِجلًا وَأُؤَخِّرُ أُخرى، فَمَن الذِي يَسهُلُ عَلَيهِ أَن يَكتُبَ نَعيَ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ؟ وَمَن الذِي يَهُونُ عَلَيهِ ذِكرُ ذلِكَ؟ فَيَا لَيْتَ أُمِّي لَم تَلِدُنِي، وَيَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبلَ حُدُوثَهَا وَكُنتُ نَسيًا مَنسيًّا»، مع الأخذ بعين الاعتبار أنَّ هذه الحادثة استمرَّ العصر الذهبي للإسلام بعدها حتَّى زمن السُلطان العُثماني سُليمان القانوني (1520 – 1566م)،فما الذي نقوله عن أنفسنا اليوم ونحنُ لا وزن علمي ولا ثقافي لنا بين الأُمم، وأهلنا يُقتَّلون ويُضطهدون كُل يوم، وحُقوقنا التاريخيَّة والحضاريَّة مهدورة ومُهملة؟ إننا كُثر ولكن غثاء كغثاء السيل، وإن صحَّت تسمية عصرنا بشيء، فإنه العصر الأسود للعرب والمُسلمين، ويا ليت يمتد بنا العُمر لنرى زواله أو بارقة أملٍ بِزواله. وإنَّ الذين سُلِّطوا علينا اليوم أشد بأسًا من مغول الماضي، كي تعود الأغنام إلى السير على الطريق الصحيح وصولًا إلى بر الأمان.
*باحث
: باسم فليفل
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



