Ayoub News


وجهات نظر


الرحمة والتعارف

الأحد 8 تشرين الثاني 2020 - 19:55 348

نحو سردية جديدة للإسلام (3/3).. مقاصد الشريعة: الرحمة والتعارف

رضوان السيد

إنّ الوضع الخطير والمتمثّل في تحوّل الإسلام إلى مشكلةٍ عالمية، وتهديد الانشقاقيين للدول الوطنية ولوحدة المجتمعات، ولبقاء الدين على سكينته باعتباره العاملَ الرئيس في ثقة الناس ببعضهم، وثقتهم بربهم وأوطانهم، وعلاقاتهم ببني البشر؛ كلُّ ذلك يقتضينا الذهابَ باتجاه سرديةٍ جديدةٍ في الدين وللدين، تتجاوز تجديد الخطاب فيما يتعلّق بالعنف تجاه النفس والغير فقط، وتجترح فلسفةً جديدةً للدين، وسلاماً مع النفس والعالَم.

والحقُّ أنّ المصير إلى السردية الجديدة يفيد أيضاً من عدّة عناصر ومقولات ظهرت في التفكير الديني الإسلامي وشكّلت تحوّلاً مشجِّعاً خصوصيته أنّ علماء الإسلام هم الذين يقودونه لأول مرة، وأنه يسعى للشراكات مع الديانات الأُخرى؛ ومن رسالة عمان (2004)، إلى مبادرة الملك عبدالله لحوار الأديان والثقافات (2007)، إلى مؤتمر الأزهر للمواطنة والعيش معاً (2016)، فإلى إعلان مراكش للأقليات (2016)، فإلى وثيقة الأخوة الإنسانية بين البابا وشيخ الأزهر بأبوظبي (2019)، فإلى وثيقة مكة المكرمة (2019)، فإلى ميثاق حلف الفضول الجديد (2019).

ماذا يقتضيه ذلك كله؟

يقتضي ذلك إنجاز أمرين:

الأول: الانتقال من مرحلة نقد النص، وتقديس الموروث أو إدانته من أجل الدخول أو الإفضاء إلى تأويليةٍ كبرى، لا تعتمد التأصيل، كما لا تعتمد النقديات الجذرية على طريقة التاريخانيين أو المراجعين الجدد. المنطلق هو الفهم الشامل والتجاوُز بدون إنكارٍ أو قطائع، بل بالأيلولة التأويلية إلى المفاهيم المركزية في الدين.

والثاني: الإسلام يعتبر نفسه دين الأمة الوسط: {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس، ويكونَ الرسول عليكم شهيداً} ( سورة البقرة: 143). وسبيل الأمة الوسط له ركنان:

الكلمة السواء: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم أن لا نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} (سورة آل عمران: 64).

والركن الآخر: التزام المعروف فكراً وقولاً وعملاً {ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون{ (سورة آل عمران: 104)، { وقولوا للناس حُسْنا} (سورة البقرة:82). فالمعروف يُعاد تحديده في كلّ عصرٍ من جانب جماعة المسلمين في ظروفها التاريخية ووعيها المتجدّد بمصالحها وبالعالم ومعه. وهكذا، فنحن ومنذ تصدّع الإجماع على فقه العيش وفقه الدين، نسعى منذ قرنٍ ونصف القرن وأكثر للوصول لإجماعٍ جديدٍ على المعروف الأصيل في مقولة الخير، والجديد في إمكانيات التلاؤم، نعيش به مع العالم وفيه. وهذه عملية مستمرة لا تتوقف.

السردية الجديدة ومقولاتها

لهذه الاعتبارات كلّها، توصّلت إلى ثلاث مقولاتٍ أساسية تقوم عليها السردية التأويلية الشاملة للدين، وهي:

- المقولة الأولى: أنّ القيمة العليا في علاقة الله سبحانه ببني البشر، هي قيمةُ الرحمة. وهذا ظاهرٌ وواضحٌ في مثل قوله تعالى: {ورحمتي وسعت كلّ شيء} (الأعراف: 156). وقوله: {كتب على نفسه الرحمة} (الأنعام 12 و54)، وقوله: {وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين} (سورة الأنبياء: 107). ولا أريد هنا الإكثار من إيراد الآيات التي يرد فيها مفرد الرحمة أو فعلها؛ إذ يكاد لا يفوقها أو يماثلها في ذلك في القرآن إلاّ مفرد المعروف. وفي كتابٍ حديث الصدور لأنجليكا نويفرت، الباحثة الألمانية الكبيرة في دراسات القرآن، توردُ ستة عشر مفرداً لها معنى الرحمة في الكتاب المُبين، مما يدفعها للذهاب إلى أنّ القرآن بين الكتب المقدسة، هو كتابُ رحمةٍ بالفعل. وهكذا، فإنّ هذا الواقع ليس اكتشافاً من جانبي؛ بل إنّ المتكلّمين المسلمين في العصور الوسطى اختلفوا عليه أو اختلفوا في تراتُبية القيم؛ فقالت المعتزلة: إنّ القيمة العليا في الدين هي العدل؛ بينما ذهبت الأشعرية إلى أنّ القيمة العليا هي الرحمة. وفي سياق الجدال الذي استمر قروناً، اضطرت المعتزلة إلى إدخال اللطف الإلهي إلى جانب أصل العدل، لتواجه بشكلٍ أكثر إقناعاً مقولة الأشعرية في الرحمة والعناية والفضل. وبالطبع، فإنّ سياقات القرون الوسطى مختلفةٌ كثيراًعن سياقاتنا المعاصرة. فقد كانت المعتزلة تريد بأصل العدل الدفاع عن حرية الإنسان في ممارسة أفعاله، لكي يمكن اعتباره مسؤولاً عنها بالإثابة أو العقوبة، إنْ خيراً أو شراً. بينما كانت الأشعريةُ تريد الدفاع عن مبدأ تفرّد الله عزّ وجلّ بالخَلْق والقدرة، وتعتبر الفعلَ الإنسانيَّ كسْباً. وفي كلّ ديانةٍ من أديان التوحيد هذان المذهبان: مذهب الرحمة، ومذهب العدل، كما بين أوغسطينوس وتوما الأكويني. ولذا، فلسْتُ أزعُمُ أنّ الأمر اكتشافٌ من جانبي، ولكنها القراءة التأويليةُ التي تغيّر من فلسفة الدين، ومن رؤية العالم.

ثم إنني لستُ أزعُمُ أنّ هذه الرؤية هي بدون مُشكلات، وخصوصاً إذا جرى تأمُّلُها في ضوء مقولات علم الكلام الوسيط، والمنظومات الفقهية، وبعض ظواهر القرآن - وهذا إلى الفصامات التي أدخلتها الأصوليات المعاصرة. إذ أين نذهب بحصرية الحقيقة في الدين أو الخلاص، والتي يصرُّ عليها التيارُ الرئيسي في اليهودية، وما تزال مشكلةً كبرى في الكاثوليكية رغم مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965) ومقرّراته. أمّا في البروتستانتية فما ظهرت فيها على كثرة فرقها مقولة قوية تتخلى عن حصرية الحقيقة. والحصرية هذه شديدة التجذّر في فقه الدين عندنا. ثم هناك بعض السُوَر القرآنية مثل سورة براءة، وبعض الآيات في سورة الأنفال وغيرها، تحتاج إلى قراءاتٍ جديدةٍ في المفردات والسياقات للتلاؤم أو الاندراج في هذه المقولة الكبرى.

 

إنّ مقولة الرحمة راجحة، بل مؤكدة باعتبارها فلسفةً للدين الإسلامي، والرؤية فيه اعتبار تلك القيمة مناط علاقة الله بعباده. وقد صرّح القرآن بذلك في وصف رسالة رسوله صلواتُ الله وسلامُهُ عليه. وقد قلتُ إنّ المتكلّمين أدركوها على تردّد وفي سياقاتٍ أُخرى. ثم لننظر هذه المقولة الشاملة باعتبار الله سبحانه خالقاً لسائر البشر، وهو الرحمن الرحيم، فكيف لا تنالُ رحمته سائر مخلوقاته. ولننظر أيضاً في هذه النزعة لبعض  المتكلّمين الذين يقولون بفناء الجنة والنار. يقولون ذلك طبعاً لأنه يبقى وحسْب وجهُ ربك ذو الجلال والإكرام. ولكنّ الفلسفة من وراء ذلك أنه حتى في الآخرة، ليست هناك عقوبة أبدية، لأنّ رحمة الله سبحانه سبقت غضبه، كما جاء في الحديث القدسي.

إنّ الإيمان يفعل العجائب عند المسيحيين وعند أهل السنّة. ولذلك تتراجع قيمة الأعمال الصالحة في هذه النقطة؛ لا من حيث ضرورتها، بل من حيث إنّ تخلُّفها لا يؤدّي إلى زوال الإيمان. لأنّ الأمل بالتوبة، والأمل برحمة الله وتسديده يظلُّ قوياً وقائماً.

وبالنظر لكلّ هذه الاعتبارات الإبستمولوجية واللاهوتية والتأويلية، لا بدّ من الاتجاه لاستكشاف هذه الإمكانية الجديدة في الدين، وللدين. ثم إننا نستطيع القول بتهيّبٍ واستغاثة: إننا نحن المسلمين اليوم من بين كلّ أهل الأرض محتاجون إلى رحمة الله وعنايته، وإن لم نلتمسْها في ديننا ولديننا، فأين نلتمسُها؟

إنّ الرحمة، هي معنى ومعيار العلاقة بين الله سبحانه وبني البشر. ويفضّل الصوفية أو بعضهم المحبة أو الرضا. والذي أراه أنهما وجهان من وجوه الرحمة التي لا تكاد تنحصر وجوهاً وأبعاداً ووظائف.

وهذا الأمر أو المذهب يقول الكثير عن طبيعة الدين باعتباره دين سلامٍ مع نفسه ومع العالم.

-المقولة الثانية: مقولة التعارف. {يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم} (سورة الحجرات: 13). القرآن يقرّر أنّ العلاقات بين البشر تقومُ على التعارُف. والتعارُف أعلى وأغنى وأكثر إنسانيةً من الاعتراف. وتعالوا قبل التفصيل ننظر في هذه اللام العجيبة في: لتعارفوا. هل هي لامُ السببية والتعليل أم هي لامُ العاقبة. ولامُ العاقبة تعرضُ في الظاهر نتيجةً غير منطقية. ففي القرآن: {فالتقطه آلُ فرعونَ ليكونَ لهم عدواً وحزناً} (سورة القصص: 8). وبالطبع، فإنّ احتضان الطفل موسى من جانب آل فرعون ما كان الهدف من ورائه أن يكونَ عدواً لهم بل ابناً متبنًى، لكنّ النتيجة لم تتطابق مع المقدّمة، وهي الإنقاذ والاحتضان. فهل تكونُ لامُ: لتعارفوا، لامَ عاقبة، بمعنى أنّه رغم الاختلاف الشديد في الخلق والتنظيم الاجتماعي، فإنّ التعارف حاصلٌ على سبيل التكامُل، أو يكونَ كلّ فردٍ أو كلّ مجموعة ناقصة. أو تكون اللام لامَ الأمر، أي لكي تتعارفوا أو لأنه ينبغي أن تتعارفوا، لأنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، بمعنى أنّ التقيّ هو الذي يحقّق التعارف ويُثابُ عليه؟!

هذه الفذلكة قد لا تكون ضرورية. هناك نصٌّ قرآنيٌّ صريح هو أنّ العلاقة بين البشر قائمةٌ على التعارُف. وكلّ عارفي القرآن يعلمون أنه ما من مفردٍ يرد في القرآن أكثر من مفرد المعروف المقارب في المعنى لمفرد التعارُف، وإن لم يكن بوضوحه وإبلاغه. فالإمام الغزالي يقول في "إحياء علوم الدين": إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو أصلٌ من أصول الدين.

وهنا أيضاً، أي في هذه الفلسفة للعلاقة بين البشر، أي فلسفة التعارُف إشكالات. فالسائد اليوم في العالم، وبين المسلمين، أنّ الإسلامَ دين قوةٍ واعتساف. وقد قضى العلماء قرابة المائة عام وهم يدافعون عن مقولة أنّ الجهاد في الإسلام دفاعي، وما صدّقهم الكثيرون. فلننظر في هذه المسألة أيضاً. هناك الآية الفاصلة: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتُقسطوا إليهم} (سورة الممتحنة: 8). والبرّ والقسط يدخلان في معنى التعارُف ووجوهه الكثيرة التي يعبّر عنها مفهوم المعروف. إذ هناك حالتان لا بدّ من  الدفاع فيهما عن النفس وهما: الإكراه على التنكّر للدين، والإكراه على الخروج من الديار. وفيما عدا ذلك ليس هناك قتالٌ واجب، ولو امتلكْتُ الشجاعة الكافية لقلت: ليس هناك قتالٌ جائزٌ.

إنما ماذا نفعل بهذا الموروث الهائل من أدبيات الجهاد؟

وماذا نفعل مع الفتوحات الضخمة، والإمبراطوريات الهائلة؟

إنّ شأننا في ذلك شأن الأُمم الأُخرى، ويمكننا  القول كما قال الشعبي للحجاج: ما كنا بالبررة الأتقياء، ولا بالفجرَة الأقوياء! علينا أن نقرأ تاريخنا ونصوصنا لا بعيون الإنكار أو التقديس، لكن ينبغي أن نفهم ونتعقّل ونتجاوز، لزمنٍ جديدٍ وعهدٍ جديدٍ، ما عُدْنا كما كنا لا في موازين الأقوياء ولا حتى الضعفاء، وواحسرتاه، أصغوا معي لقوله تعالى: {وأذكروا إذ أنتم قليلٌ مستضعَفون في الأرض تخافون أن يتخطّفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون} (سورة الأنفال: 26).

إنّ التعارُف هو رسالةُ سلامٍ إلى العالم، إلى سائر بني البشر. وهو أرفعُ من الاعتراف، فأنتم تعرفون أنّ الاعتراف هو في الأصل وسيلةٌ لدى الكنيسة للتكفير عن الذنوب. ثم صار فلسفةً دخلت في النسبية الثقافية، فصار ذلك قيمةً عليا في تدبير الاختلاف، ووصل العلاقة بين البشر. إنه مثل التسامح، فيه غضاضةٌ، وفيه خروجٌ من الإنكار وإن يكن المرءُ مُرغماً. أما التعارف فهو خيارٌ حُرٌّ وعملٌ إنسانيٌّ للتكامل وصنع الخيرات المشتركة: {ولكلٍّ وجهةٌ هو مولّيها فاستبقوا الخيرات. أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً} (سورة البقرة 148). فالتعارفُ وجهةٌ أو اتجاهٌ يختاره المرء بالحرية وبالطبيعة الإنسانية، ويتقصّد من وراء ذلك التكامل في إنسانيته وصُنْع الخير. ولذلك، فهو رسالةُ سلامٍ إلى العالم، وقد فات المفكّرين المسلمين الإصلاحيين من قبل. لكنهم اندفعوا باتجاهه في العقدين الأخيرين.

إنّ القول بالمعروف والتعارف قولٌ بأخلاق وقيم إسلامية وإنسانية وعالمية، وهذا الذي ينبغي العمل عليه بدون تردّد.

- والمقولة الثالثة: هي مقولةُ مقاصد الشريعة. وهي تحدّد الوجوه والمجالات المتصلة بصون الوجود الإنساني، والتي يكون على المسلمين بمقتضى التعارُف، وبمقتضى القيم المشتركة أن يؤدّوها لأفرادهم ومجتمعاتهم، وللناس أجمعين. وهي بحسب الفقهاء خمس ضروراتٍ أُنزلت الشرائع لصونها: حق النفس، وحق العقل، وحق الدين، وحق النسْل، وحق الملك. وقد قلتُ من قبل إنّ العلماء المسلمين المُحدّثين اكتشفوها في القرن التاسع عشر في كتاب الموافقات للشاطبي، وطُبع الكتاب بمطبعة الدولة بتونس عام 1884، وحمله الشيخ محمد  عبده في حقيبته طوال حياته. ثم أعاد أحد تلامذته طبعه بعد وفاة الشيخ. وأعاد طرحه وتجديده كلٌّ من الطاهر بن عاشور في الأربعينات وعلاّل الفاسي في الستينات والسبعينات. وقد استخدمت المقاصد بعدة وظائف خلال العقود الثلاثة الأخيرة. وتراجعت استخداماتُها في فترة الصعود الأصولي والإحيائي. إنما منذ الثمانينات صارت توظف للشراكة والتواصُل مع العالم. وقد انطلقت منها عشرات الإعلانات الإسلامية لحقوق الإنسان. وقد اعتبرها عدةُ دارسين أساساً لنظرية القيم المشتركة بين الأديان والثقافات، واعتبرها العلاّمة بن بية وشيخ الأزهر رسالة التزامٍ وسلامٍ مع العالم. وهي تحتاجُ في الشرح إلى تفاصيل كثيرة، ولأنّ المجال يضيقُ عن ذلك، فسأتوقف عند هذا الحدّ، فلنتأمل جيداً في هذه المشتركات من ناحيتين: لناحية الانفتاح الكامل على"المعروف" الإسلامي والعالمي، ولناحية اعتبارها: أخلاق عمل يقترحها الدين، بل ويكلّف بها.

وأختم ببعض الملاحظات:

أولاً: إنّ هذه المحاولة بشأن المقولات الثلاث، هي اجتراحٌ لسرديةٍ جديدةٍ في فلسفة الدين الإسلامي. والمقصودُ بها أن تكون رسالة ودعوةً لاستعادة السكينة في الدين، وصنع السلام مع العالم. والذي أراه أنّ ذلك لا يصبح ممكناً بالقطيعة الإنكارية، ولا بالتشدّد المستأصل والهوية المنكمشة. وفي الإسلام تقليدان، ساد أحدهما وانكمش الآخر. والمطلوب التلاقُحُ بين السائد المتجدد وليس الجامد، والآخر المنكمش أو "اللامفكَّر فيه"، بحسب تعبير محمد أركون.

ثانياً: كلّ العناصر أو المقولات الواردة جرى التعرّض لها من جانب الإصلاحيين العرب والمسلمين  خلال أكثر من قرن. وليس لي إلاّ التركيب المستند إلى التأويلية أو السردية الشاملة التي ذكرتها. وهي تحتاج بعد إلى عملٍ كثير.

ثالثاً: إنّ التأويل ليس منهج ضرورة ولا ابتداع في الدين أو النصوص الكلاسيكية أو الحاضرة. بل هو منهج تفتيحٍ لإمكانيات النصّ، وبخاصةٍ النصوص الدينية أو المقدّسة. والتأويلية هنا لا تبدو في مفردات السردية، بقدر ما تبدو في تركيبها أو تحويلها إلى منظومة.

رابعاً: هناك فرقٌ ظاهرٌ بين التأويل والتأصيل. فالتأويل يراعي المفرد والنظمَ والسياق وطبيعة المنظومة؛ بينما يعتبر المؤصِّل أنّ النصَّ الذي يرجع إليه يتضمن كلّ شيءٍ بحروفه، ودونما تأويلٍ أو تفسير - كما أنّ مسائل نقد النص والتي استغرقت كلّ التاريخانيين لا تُعيننا هنا في شيء. ولذلك، وفي ظروف الأزمنة المأزومة التي نمرّ بها، كثر التقاذف بالنصوص، وقتل  الناس بها من جانب إدارات التوحش.

خامساً: وأخيراً، أردْتُ من هذا النظم أن يكون رسالة سلامٍ وتصالُحٍ مع النفس ومع العالم، وهذه القيم هي مقتضى ديننا بالفعل، هذا ما أُومن به. لكنّ الرسالة تحتاج كما سبق القول للمزيد من العمل البحثي، والمزيد من القراءة النقدية لكلّ ما أحاط بمفرداتها قديماً وحديثاً.

وكما سبق القول، فإنّ كلَّ مسعىً اجتهادي من جانب فقهاء الجماعة وعقائدييها، إنما يتوخّى التوصّل إلى إجماعٍ في كلّ عصر، إجماع على "المعروف" تحديداً أو إعادة تحديد، وإنفاذ أو اقتناع في أوساط الجمهور. والأمر الآخر الذي نحتاج إليه إعادة القراءة لتجربة الجماعة العقدية والسياسية والعُرفية أو الاجتماعية. فمنذ منتصف القرن الثاني الهجري على الأقل ظهر مصطلح: "أهل السنّة والجماعة". والسنّة تعني الاتّباع، في حين تعني الجماعة الامتداد والاستيعاب والإدماج. وبذلك، يكون هذا التوتر الإيجابي والبناء بين الاتّباع من جهة والتوسّع والامتداد من جهةٍ ثانية. وكلا الأمرين يلتقيان عند الإجماع أو فيه أو أنّ الأمر يتحوّل إلى نضالٍ دائمٍ من أجل التحقّق. فالمسألة لا تحتاج إلى بحوثٍ فريدةٍ فقط؛ بل تحتاج أيضاً إلى إرادة نهوضٍ ووعيٍ جديد يتقصّد الملاءمة بين فقه العيش المتغيّر، وفقه الدين المتغيّر أيضاً. وعندما يحصل العجز عن الملاءمة، يكون هذا التفجّر الهائل في أوساط الأمة الضخمة من جهة، وفي اضطراب العلاقة مع العالم من جهة أُخرى.

وهكذا، فقد تفاقمت الحاجة إلى تغييرٍ في رؤية العالم، وإلى فلسفةٍ جديدةٍ للدين. وما قمت به هو جهد المُقلّ. وبالله التوفيق.

*نقلاً عن موقع "أساس ميديا"



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



الرحمة والتعارف

رضوان السيد

حرب الاسترداد

محمد الرميحي

ملاكمة من تحت الحزام

مشعل السديري

تَلطف

سمير عطا الله



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...