السبت 3 أيلول 2022 - 0:04
كتب (سعدو محمد سليمان)
[هذه الترجمة كتبتها في حياته رحمه الله تعالى قبل ١٣سنة، اليوم أنشرها بعد وفاته، لذا أبقيت على العبارة التيقرأها من ترجمته من غير تبديل بالصيغة].
مولده ونشأته:
ولد الأستاذ عفيف في بيروت سنة 1923م، ونشأ في أسرة بيروتية متوسطة الحال، بمنطقة الطريق الجديدة في بيروت.
طلبه للعلم:
دخل الكلية الشرعية حباً بطلب العلم والتدين، وقد أقام بالقسم الداخلي فيها، لا يذهب إلى بيته إلا في أيام العطل، وذلك لمدة 4 سنوات. وبعد التخرج فيها خاض في معترك الحياة بسبب احتياج أسرته إليه كي يعينها في النفقات، ولم يتسنَ له السفر إلى الأزهر لإكمال دراسته.
ظهرت عنده موهبة الخط، فنمَّاها على يد الخطاط كامل البابا، ثم بعثه الشيخ سعدي ياسين رحمه الله إلى صديقه الخطاط بدوي الديراني بدمشق، وأرسل معه ورقة توصية حتى يهتم به الأستاذ بدوي، فذهب ومكث عنده يتعلم منه الخط العربي حتى أتقنه ومهر فيه.
صفاته:
هو رجل متواضع بعيد عن الأضواء، لا يحب الشهرة، بسيط غير متكلف؛ لذلك كان يقول له مفتي الجمهورية الشيخ محمد توفيق خالد رحمه الله: نريد شيخًا ـ أي عالمًا ـ، وشيطانًا ـ أي محنكًا وداهية ـ، وعلى البركة ـ أي صافي السريرة مخبت لله- حيث كان يراه إنساناً بسيطاً طيب القلب فقط.
هو لطيف المعشر، هادئ، صاحب دعابة وابتسامة مشرقة، قال عنه تلميذه الدكتور أحمد فارس: وإنني أتذكر ابتسامته المعهودة التي اتصف بها دائماً، كان يدخل الصف ويقول: من أمير الخط هذا اليوم؟ سأكسر الأصابع حتى يستوي خطكم. بالإضافة إلى أنه صادق في قصده يبتغي بعمله وجه الله عز وجل، قال حفظه الله: "لم أكتب للمادة أبدًا، وكانت دائماً تراودني الآية الكريمة: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُيُرِيدُ الآخِرَةَ} [الأنفال67]، وقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةًفًسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ} [التوبة:28 ]. فالعالم إذااشتغل للمادة سقط، والله لا يوفقه، لا بدَّ له من ابتغاء وجه الله عزّ وجل".
شيوخه وأساتذته:
تلقى علومه على أيدي كبار علماء بيروت، وبعثة الأزهرالشريف التي كانت تدرس في الكلية الشرعية في بيروت، ممن لهم معرفة وافرة باللغة العربية وآدابها، وبالعلوم الشرعية.
وممن درسه من المشايخ:
1- الشيخ هاشم دفتر دار المدني
2- الشيخ عبد الله العلايلي اللغوي الكبير
3- شيخ القراء العلامة حسن دمشقية
4- مفتي الجمهورية الشيخ محمد توفيق خالد، كان يأتي إلى الكلية الشرعية كل يوم قبيل الفجر ويوقظ الطلاب لصلاة الفجر، وبعد قضاء الصلاة يجمعهم ويقرؤوهم القرآن.
5- الشيخ خالد مشنوق من علماء حماة، وكان مدرساً بالكلية الشرعية ويلقي دروساً وعظية في مسجد الإمام علي في الطريق الجديدة، وقد تأثر الأستاذ عفيف طبارة به، وكان من أسباب توجهه إلى العلم الشرعي.
6- الشيخ صلاح الزعيم، كان ناظراً في الكلية الشرعية، وهو من علماء دمشق، قال عنه الأستاذ عفيف: "إنه كان يجوب القرى بالدعوة، ونشر العلم، وكان كريم النفس يحمل معه الزكوات، ويوزعها على المحتاجين". فاستفاد الأستاذ عفيف من هديه وسمته وخلقه وأدبه ودعوته، وقد خرج معه في إحدى جولاته على القرى في سبيل الدعوة وتعليم الناس وإرشادهم.
أعماله:
بعد تخرجه من الكلية الشرعية عمل مدرساً في مدرسة (عمر الفاروق) التابعة لجمعية المقاصد في طريق الجديدة لمدة 6 سنوات.
يعد الأستاذ عفيف هذه المرحلة في حياته محنة له؛ لأنه لم يقرأ فيها كتاباً واحدًا؛ حيث إن تدريس الأولاد شيء منهك ومتعب، فقد كان في الصف 45 طالباً، وكان عليه طول الوقت أن يعمل على تهدئتهم: "هذا اسكت.. وهذا اهدأ"، فلذلك قال: "أعد هذه المرحلة محنة لي، ولكن الله عزوجل صبرني عليها، ثم تلا قول الله تعالى : {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا} [السجدة:24]".ثم عمل خطاطًا في مصلحة المساحة. ولما علم مفتي الجمهورية الشيخ محمد توفيق خالد رحمه الله بأنه يجيد الخط، استدعاه وكلَّفه تعليم الخط لطلابالكلية الشرعية.
مؤلفاته:
كان للأستاذ عفيف أمنية تراوده ـ وهو ما زال طالباً ـ، وهيأن يكتب بعد تخرجه كتاباً عن الإسلام، فحقق الله عز وجل أمنيته، ووفقه لأن يؤلف كتابه: (روح الدين الإسلامي)،الذي انتشر في الشرق والغرب وترجم لأكثر من لغة، وطبع فوق 30 طبعة. ثم أراد أن يكتب تفسيراً للقرآن ولم يكن عنده آنذاك ما يسعفه من كتب التفسير، فذهب إلى مفتي زحلة والبقاع الشيخ خليل الميس، وكان آنذاك مديراً لأزهر لبنان، وطلب منه كتباً في التفسير فأعطاه سماحة الشيخ خليل مجموعة من الكتب، وبدأ رحلته في تفسير القرآن منذ ثلاثين سنة تقريباً، فأخذ يفسر في البداية أجزاء منه، ثم سوراً حتى أتمّه بعون الله عز وجل وتوفيقه. وهدفه من التفسير أن يقرب معاني الآيات إلى أذهان الناس، حتى يكون فهم القرآن متيسراً للجميع، ولهذا الغرض تجده يعتزل المدينة والناس، ويجلس في بيت جبلي له في منطقة الشبانيّة متأملاً في القرآن، وقد تستغرق الآية الواحدة منه تفسيراً مدة 3 أيام، حتى يصلإلى طريقة وأسلوب يرى أنها أنسب الطرق في توصيل المعنى إلى عامة الناس، فلذلك يوصف تفسيره بأنه السهل الممتنع، وهذا أجل أعماله التي خطها بيمينه.
أسماء مؤلفاته:
1- روح الدين الإسلامي.
2- مع الأنبياء في القرآن
3- روح الصلاة في الإسلام
4- الخطايا في نظر الإسلام
5- اليهود في القرآن
6- الحكمة النبوية
7- تفسير روح القرآن
يقول حفظه الله: "نجاح الكتاب وانتشاره أحلى شيءعندي، لأن الرسالة التي عملت عليها وصلت إلى الناس".
القرآن شفاء ورحمة:
في حفل تكريمه الذي أقامه المركز الثقافي الإسلامي* ذكرالأستاذ عفيف قصة واقعية عن تأثير القرآن في النفوس وشفايتها مما تجد، فقال للحاضرين: "واسمعوا مني هذه القصة الواقعية عن فتى في الرابعة عشرة من عمره، كان يصيبه الهزال والضعف يوماً بعد يوم، ولم ينفعه كل الأطباء الذين أشرفوا على علاجه، حينئذ رأى أهله أن يضعوه في مستشفى الجامعة الأميركية لإجراء كافة الفحوصات الطبية عليه، ولكن الفحوصات كلها لم تنبئ عن مرض ما، وفي يوم طلب هذا الفتى من أهله وهو في المستشفى نسخة من القرآن. لقد كان هذا الفتى يعاني مرضاً نفسياً، وتكفل القرآن بعلاجه، لأنه يدعو المؤمنين إلى الصبر في عشرات الآيات، وينهاهم عن اليأس من رحمة الله، ويبشرهم باليسر بعد العسر، كما يدعوهم إلى الالتجاء إلى الله عند كل مصيبة تلم بهم، أو قلق يستحوذ عليهم، وأن يعلموا أن الله يسمع دعاءهم ويكشف الضر عنهم.
نعم، إن القرآن هو شفاء للنفوس، أما قال الله تعالى فيسورة الإسراء: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء:82].
أيها الحضور الكرام.. هناك سرٌّ كتمته طيلة حياتي، ولم أبحبه لأهلي وأصدقائي، وها أنا أعلنه اليوم وفي هذه اللحظة على مسامعكم، وهو أن الفتى الذي حدثتكم عنه، وشفاه القرآن الكريم، هو الماثل أمامكم، إنه أنا، نعم أنا بالذات".
مصادر الترجمة:
1- مقابلة شخصية أجريت مع الأستاذ عفيف في منزله بتاريخ 28 ذي القعدة 1431 هـ.
2- محاضرة للدكتور أحمد فارس حول تفسير الأستاذ عفيف طبارة، وكلمة الأستاذ عفيف في حفل تكريمه، والكلمتان موجودتان في كتاب: "الفكر الإسلامي في العقلوالعاطفة"، ص 51- 63، طبعة المركز الثقافي الإسلامي،بيروت، 1431 هـ -2010م.
*وذلك في 28 ذي الحجة 1430هـ، الموافق 15 كانونالأول 2009مـ . توفي رحمه الله يوم الأربعاء ٢ صفر ١٤٤٤هـ،الموافق ٣٠ آب ٢٠٢٢ وصلي عليه مسجد البسطة التحتا، ودفن في مقبرة الباشورة.
: خاص (أيوب)
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



