Ayoub News


خاص أيوب


هل فاز بن لادن؟

السبت 11 أيلول 2021 - 17:58

كتب (هشام عليوان)

تحلّ الذكرى العشرون لهجمات 11 أيلول هذا العام مع انتصار طالبان في أفغانستان. وهو ما يطرح سؤالاً بديهياً هو: هل تحقق الهدف الاستراتيجي لأسامة بن لادن القائد السابق لتنظيم القاعدة، أي تحطيم الولايات المتحدة كما تحطم الاتحاد السوفياتي نهاية القرن العشرين على أرض أفغانستان "مقبرة الإمبراطوريات"؟ لا نعلم بعد انعكاسات الانسحاب الأميركي داخل الولايات المتحدة، أو خارجها كقوة عظمى. وهل تلحق الولايات المتحدة بالاتحاد السوفياتي، فتخسر هيبتها ونفوذها في العالم؟ وبعبارة أوضح، هل تمكن بن لادن من تغيير العالم الإسلامي بمغامرته التي لم يجرؤ فرد أو تنظيم أو دولة في العالم على القيام بها، وهو يعلم العواقب الوخيمة؟

لا بد أولاً، من استعراض الأسس المنهجية والاستراتيجية التي اعتمدها بن لادن لتحقيق أهدافه من وراء هجمات 11 أيلول. ففي أفغانستان إبان الاحتلال السوفياتي ما بين عامي 1979 و1989، تجمع عشرات الآلاف من العرب الأصوليين المنبوذين من بلدانهم، ليس فقط لنصرة الأفغان، بل بحثاً عن "الأرض الموعودة" لبناء دولة إسلامية بحسب منظورهم الخاص. وهنا افترق أسامة بن لادن عن أستاذه الفلسطيني عبد الله عزام. فدكتور الشريعة عزام، كان يأمل بقيام دولة إسلامية بالمعنى الأصولي في أفغانستان بعد دحر الاحتلال السوفياتي، ورأى أن يقتصر الدعم للأفغان، مادياً ومعنوياً، دون التدخل مباشرة في الصراع. لكن بن لادن كان يرى عدم إمكانية قيام أي دولة إسلامية مستقلة في أي بقعة جغرافية قبل تغيير النظام العالمي نفسه وعلى رأسه الولايات المتحدة. لذلك، أسس قاعدة عسكرية للعرب المجاهدين داخل أفغانستان، خلافاً لرأي عزام، ومن هنا ذاع اسم تنظيم القاعدة، لأنهم كانوا في هذا المعسكر مع أسامة. أما الاستراتيجية البديلة لبن لادن فتجلت في "إعلان الجهاد" الذي أطلقه عام 1996، عقب رجوعه من السودان إلى أفغانستان، وكانت طالبان تسيطر على كابول. وتتضمن استراتيجيته ضرب رأس الأفعى، أي الولايات المتحدة، العدو البعيد، بدلاً من قتال الأنظمة السياسية في العالم الإسلامي، التي هي بنظره العدو القريب. فإذا تهاوى الرأس، سهل التعامل بعد ذلك مع أتباع واشنطن بحسب تعبيره. بعد سنتين، وجّه ضربته المزدوجة الأولى انطلاقاً من أفغانستان، ففجّر سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا. وفي عام 1999، انفجر زورق مفخخ بالمدمرة الأميركية "كول" في مرفأ عدن. وفي 11 أيلول 2001، ضربت ثلاث طائرات مدنية مخطوفة برجي التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن، وسقطت الرابعة قبل وصولها إلى مبنى الكونغرس.  

وتكشف الوثائق التي صادرتها القوات الأميركية الخاصة من منزل أسامة بن لادن في أبوت أباد، بباكستان، بعد قتله، في 2 أيار 2011، أنّ بن لادن، خلال سنوات الاختفاء بعيداً عن أعين المطاردين له، أجرى مراجعة للحسابات، فرأى أنّ لتلك الهجمات على الولايات المتحدة وجهين أحدهما إيجابي والآخر سلبي. فمن جهة، كشفت التداعيات التي أعقبت هجمات 11 أيلول حقيقة الصراع في العالم، بحسب تعبيره. لكن الآثار السلبية تمثّلت أيضاً بحسب بن لادن، باتساع جبهات القتال في الأقاليم، وانهماك أتباع القاعدة في قتال الأعداء المحليين، وهذا خلاف الأولويات الاستراتيجية للتنظيم، وازدادت الأخطاء التي سقط فيها ضحايا مسلمون، فتسببت بخسارة التعاطف الشعبي.

في أرض الواقع، لم تصمد استراتيجية "ضرب رأس الأفعى" التي اجترحها بن لادن طويلاً، وانجرّ الجهاديون تلقائياً إلى قتال العدو القريب، لا سيما بعد اجتياح الولايات المتحدة للعراق عام 2003. فالعدو البعيد اختلط هنا مع العدو القريب، أي مع الفئات العراقية الموالية للاحتلال، من سنة وشيعة، لكن الشيعة على وجه الخصوص، فتحولت المقاومة في العراق ضد الاحتلال الأميركي إلى حرب أهلية سنية شيعية، وكأنهما حربان تدوران في الوقت نفسه. وانزعج بن لادن من أساليب أبي مصعب الزرقاوي العنيفة وكان بايع بن لادن عام 2004.

وجاءت ثورات الربيع العربي أواخر عام 2010، لتنعش آمال بن لادن. ولما كانت تلك الثورات قد حظيت بتشجيع أميركي في عهد الرئيس باراك أوباما، فإن خطاباته الأخيرة التي سبقت قتله عام 2011، أي بعد أشهر قليلة من انطلاق الثورات، كانت تدعو إلى إقامة دولة إسلامية. بتعبير آخر، تجاوز بن لادن نفسه، استراتيجية ضرب رأس الأفعى، قبل أن تظهر نتائجها. فما جرى كان مذهلاً لبن لادن. أميركا نفسها تتخلى عن زعماء عرب كانوا حلفاء لها طوال عقود، كزين العابدين بن علي في تونس، وحسني مبارك في مصر، وعلي عبد الله صالح في اليمن. وتدخلت واشنطن عسكرياً لإسقاط القذافي في ليبيا، وبدأت الثورة في سوريا ضد بشار الأسد. في حقيقة الأمر، كانت خطة أوباما تقضي بتلبية بعض شروط القاعدة نسبياً، بهدف الالتفاف على التنظيم وإفقاده قاعدة التأييد له في العالم الإسلامي، أي التقليل من دعم سياسات إسرائيل بدل التخلي عنها تماماً، وترك الأنظمة العربية الحليفة، وتشجيع جماعات الإسلام السياسي على تصدّر المشهد (الإخوان المسلمون)، فيسهل بعد ذلك التخلص من أسامة بن لادن دون ارتدادات عنيفة.

لقد أكد أوباما في خطابه التاريخي في جامعة القاهرة تحت عنوان "بداية جديدة New beginning" في 4 حزيران عام 2009، أي في اليوم الذي يسبق الذكرى الـ42 لهزيمة العرب أمام إسرائيل، "أن الإسلام ليس جزءاً من المشكلة المتلخصة في مكافحة التطرف العنيف، وإنما يجب أن يكون الإسلام جزءاً من حل هذه المشكلة". أراد أوباما القول ضمناً إنه يبتغي الاستعانة بالإسلام، وهو هنا الإسلام السياسي لمكافحة الإسلام الجهادي الإرهابي، وهذا ما حدث خلال ثورات الربيع العربي التي فشلت بعد عشر سنوات في بسط الاستقرار في المنطقة، فجاء انتصار طالبان في أفغانستان ليؤكد صحة نظرية بن لادن جزئياً، وفشل نظرية أوباما بالكامل.

وتلخيصاً للأوجه التي غيرت فيها هجمات 11 أيلول العالم الإسلامي وعلاقاته ببقية العالم، يمكن إيراد النقاط التالية:

أولاً، عززت هذه الهجمات روح العداء بين الولايات المتحدة والغرب عامة وبين العالم الإسلامي، من ضمن الفعل وردّ الفعل. فالهجمات أثارت غضب الدول الغربية بشكل خاص. وردّ الفعل الأميركي عسكرياً باجتياح أفغانستان والعراق عامي 2001 و2003، أثار غضب العالم الإسلامي، وهذا كان من أولى أهداف بن لادن.

ثانياً، تحولت القضية بعد ذلك، إلى قضية مقاومة احتلال، وتراجعت إلى الخلف مسألة الإرهاب، مع ارتكاب جرائم الحرب في أفغانستان والعراق من قبل جنود التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وكذلك مع تأسيس معتقل غوانتنامو في كوبا، وحرمان المعتقلين ومن بينهم أبرياء، أي حقوق، ولا سيما حق الدفاع القانوني.

ثالثاً، مهدت تلك الهجمات لتغيير موازين القوى في العالم. فمع انشغال الولايات المتحدة بمكافحة الإرهاب في العالم، وقتال المتمردين الإسلاميين في أفغانستان والعراق، واستنزافها مادياً ومعنوياً، برزت قوى دولية وإقليمية، مثل روسيا والصين وإيران، وراحت تبسط نفوذها في المناطق الحيوية. إلى أن وصلنا إلى وضع مقلق بالنسبة للولايات المتحدة، لا سيما بإزاء الصين التي تتجاوز الولايات المتحدة اقتصادياً بخطى ثابتة.

رابعاً، أدت الهجمات وما نتج عنها من سلسة ردود أفعال، إلى اقتناع إدارة باراك أوباما بضرورة التعامل مع الإخوان المسلمين، كجماعة أصولية لا تتبنى العنف. أي إن أوباما اختار الطرف الإسلامي المقبول بنظره في تلك المرحلة، وكأنه يقدّم تنازلاً ضمنياً وغير معلن، أمام الحركات الإسلامية عامة، بدلاً من الخضوع مباشرة لشروط القاعدة.

خامساً، أنتجت هجمات 11 أيلول، أجيالاً جديدة من الجهاديين في العالم الإسلامي، تعدّ بعشرات الآلاف. وتمكن هؤلاء خلال عشرين سنة، من السيطرة على مناطق واسعة في العالم الإسلامي، مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا وانتشار فروع له في بلدان كثيرة في قارتي آسيا وأفريقيا. وحتى لو فشلت تلك التنظيمات في الصمود كثيراً أمام الضغط العسكري الغربي، لكن سيطرة حركة طالبان أخيراً على كامل أفغانستان، واعتراف واشنطن بها واقعياً من خلال الاتفاق معها في شباط عام 2020، تمهيداً للانسحاب العسكري منها، مؤشر واضح على أن التنظيمات الأصولية التي تسعى إلى إقامة دولة في أي بقعة من العالم الإسلامي، ما زالت تجد طريقها على الرغم من كل المعوقات، ما سيكون له انعكاسات استراتيجية ستظهر في السنوات القادمة.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



السؤال "العويص"

مشعل السديري

الأسنان والعمامة!

طارق الحميد

دويلة الأوهام

راجح الخوري

استقالة بتوقيت غرينتش

سمير عطا الله