الأربعاء 16 آذار 2022 - 22:13
كتب (د. حبيب البدوي*)
فجّرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الاقتصادية المتخصصة مفاجأة من العيار العالمي الثقيل، بتغطية من مكتبها في الرياض، عبر تفصيل محادثات يجريها مسؤولون سعوديون وصينيون لتسعير بعض مبيعات النفط باليوان الصيني بدلا من الدولار الأميركي[1]، في مؤشر خطير لتبدلات في العلاقات الدولية على وقع المنازلة الروسية –الأميركية على الأرض الأوكرانية.
من الواضح على حلبة الصراع العالمية أن بكين تهيئ نفسها لوراثة واشنطن كقطب محوري يتحكم بالسياسات والأسواق والمبادلات على مستوى العالم. وتكفي الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأميركية (نفسها) هي مَدينة لجمهورية الصين الشعبية.لذلك، من هنا اندلعت الحرب التجارية الأميركية –الصينية في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب[2]، أو ما يسمى "بمعركة التعريفات الجمركية"[3]،وفرض قيود الاستثمار بين البلدين. فسيطرة الصين على الأسواق المالية العالمية مستمرة بوتيرة خطرة على الهيمنة الأميركية، كما تشارك استثمارات بكين بنصيب من الحصص في المؤسسات المالية التي تتخذ من نيويورك مقراً لها.
على صعيد المنطقة العربية، نمت العلاقات الاقتصادية بين بكين والرياض بصورة متصاعدة في العقود الأخيرة[4].فالصين هي أكبر شريك تجاري للمملكة، ويرجع ذلك أساساً إلى أنها تشتري 25% من جميع صادرات السعودية النفطية[5].وتعد المملكة ركيزة أساسية لـ "مبادرة الحزام والطريق الصينية للبنية التحتية"[6]. وتحتل المرتبة الأولى بين الدول الثلاث الأولى عالمياً في مشاريع البناء الصينية[7].
لذا من شأن التحرك لإجراء معاملات نفطية مع الصين باليوان أن يمثّل تحولاً عميقاً لسوق النفط، حيث يتم إجراء 80%من المبيعات بالدولار،وجميع المعاملات الماليةللمملكة العربية السعودية تجريحصرياً، حتى الآن بالدولار، وإذا تمّ "التبديل" تنصر الرياض جهود بكين لإقناع المزيد من الدول والمستثمرين الدوليين بالتعامل بعملتها.وتجدر الإشارة إلى أن شركة "أرامكو" السعودية، وهي أكبر منتج للنفط بالعالم، دخلت في شراكة استثمارية لتطوير منشأة تضم مصفاة رئيسة ومجمعاً متكاملاً للبتروكيماويات في شمال شرقي الصين[8].
وقفز اليوان الصيني لأعلى مستوياته، يوم الثلاثاء، بعد تقرير صادر عن مؤسسة داو جونز الأميركية يعزز التقارير السابقة. وارتفع اليوان في الخارج بنسبة 0.1% إلى 6.3867 مقابل الدولار، وهو مستوى قريب من ذروة الجلسة التي وصل إليها خلال التعاملات الآسيوية. وقد تراجعت العملة الصينية بقدر 0.3% في التعاملات الأميركية قبيل صدور التقرير.
لقد سيطر الدولار الأميركي على النظام المالي العالمي كوسيلة للتبادل منذ الحرب العالمية الثانية[9]. فإلى جانب السماح للولايات المتحدة بطباعة أذون الخزانة وبيع ديونها على مستوى العالم، فإن تفوق الدولار هو السبب الرئيسي وراء قدرة الولايات المتحدة على فرض عقوبات صارمة على دول مثل روسيا حالياً، مما سيؤدي إلى استبعاد موسكو من المعاملات المالية الدولية في ظل سطوة الدولار على السوق العالمي.
وكانت الصين قد أبرزت عملتها، اليوان، في العقود النفطية عام 2018، لكن مساعيها لم تنجح في كبح سيادة الدولار بالأسواق العالمية. كما واجهت بكين صعوبات في استخدام الدولار بسبب العقوبات المفروضة على إيران، بسبب نشاطاتها النووية، وروسيا، بسبب اجتياحها لأوكرانيا. من هنا من المتوقع أن تكتسب الجهود المبذولة لاستبدال الدولار باليوان مزيداً من الزخممن الدول الرافضة لعنجهية "الأنكل سام"، بخاصة بين خصوم وأعداء الولايات المتحدة الأميركية.وفي إطار هذه الجهود، منعت روسيا من بيع العملات الأجنبية في مخزونها الاحتياطي.
السعوديون من جهتهم، يفضلون التحول إلى اليوان لأن المملكة يمكن أن تستخدم جزءاً من عائدات العملة الجديدة لدفع أجور المقاولين الصينيين المشاركين في مشاريع ضخمة داخل المملكة، الأمر الذي من شأنه أن يقلل من المخاطر المرتبطة بضوابط رأس المال التي تفرضها بكين على عملتها.ومن هنا تجري الدولتان مناقشات حول عقود النفط المسعرة باليوان منذ عام 2016، لكنهما تقدما مؤخراً على خلفية المخاوف السعودية المتزايدة بشأن التزام واشنطن بدعم المملكة أمنياً وعسكرياً[10].
على الجانب الأميركي، فإن إدارة الرئيس جو بايدن في المراحل الأخيرة من المفاوضات مع إيران بهدف إحياء الاتفاق النووي لعام 2015،حيث عارضت الرياض الاتفاق الأصلي،بل ودعمت قرار إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب لانسحاب من الاتفاق في عام 2018،ومن ثم فرض واشنطن عقوبات منهكة على طهران[11].
إن السعودية "تسعى لتعزيز وتعميق علاقتها مع بكين في ظل تحول جيوسياسي في الشرق الأوسط"، حيث تتطلع الصين وروسيا إلى توسيع نفوذهما في آسيا والمنطقة.وأشار مصدر أميركي مطلع إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الصيني "صديقان قريبان، وكلاهما يدرك أن هناك إمكانات هائلة لعلاقات أقوى"[12]، مضيفا أن الأمر ليس مرتبطاً بشراء النفط من المملكة والأسلحة من الصين، بل كذلك لرؤية استراتيجية لاستشراف مستقبل التحالفات المستقبلية.
ختاماً، وعلى وقع احتمالية قيام "نظام عالمي جديد"، تحدث عنه رئيس الوزراء الياباني فيوميو كيشيدا[13]، هل سنشهد دور عربي في صياغة تحالفات دولية جديدة في "عالم متعدد الأقطاب"؟ وهل ستكون الرياض، بقيادتها الشابة، جزءاً من المنظومة العالمية الجديدة؟وما التداعيات على القوى الاقليمية (اسرائيل –إيران –تركيا)؟ وهل للبنان من الريادة السعودية الجديدة نصيب؟
* د. حبيب البدوي خبير في الدراسات اليابانية والعلاقات الدولية
[1]Stephen Kalin in Riyadh, Saudi Arabia. (2022, March 15). WSJ news exclusive | Saudi Arabia considers accepting Yuan instead of dollars for Chinese oil sales. WSJ. https://www.wsj.com/articles/saudi-arabia-considers-accepting-yuan-instead-of-dollars-for-chinese-oil-sales-11647351541
[2] US-China trade war. (n.d.). South China Morning Post. https://www.scmp.com/knowledge/topics/us-china-trade-war/news
[3]US-China trade war tariffs: An up-to-Date chart. (2021, March 16). PIIE. https://www.piie.com/research/piie-charts/us-china-trade-war-tariffs-date-chart
[4]Thirty Years of Sino-Saudi Relations. (n.d.). Atlantic Council - Shaping the global future together. https://www.atlanticcouncil.org/wp-content/uploads/2020/08/Sino-Saudi-Relations_WEB.pdf
[5]Deepening Cooperation Between Saudi Arabia and China. (n.d.). KAPSARC | King Abdullah Petroleum Studies and Research Center. https://www.kapsarc.org/wp-content/uploads/2019/03/Deepening-Cooperation-Between-Saudi-Arabia-and-China.pdf
[6]How to Clean Up the Belt and Road. (n.d.). Bloomberg. https://www.bloomberg.com/opinion/articles/2019-06-10/how-china-can-clean-up-belt-and-road-infrastructure-initiative
[7] China’s overseas investment starts the long climb back. (2021, July 20). American Enterprise Institute - AEI. https://www.aei.org/research-products/report/chinas-overseas-investment-starts-the-long-climb-back/
[8] Aramco JV to develop major refinery and petrochemical complex in China. (n.d.). Where Energy is Opportunity | Aramco. https://www.aramco.com/en/news-media/news/2022/aramco-jv-to-develop-major-refinery-and-petrochemical-complex-in-china
[9]The international role of the U.S. dollar. (n.d.). https://www.federalreserve.gov/econres/notes/feds-notes/the-international-role-of-the-u-s-dollar-20211006.htm
[10] The shift in Saudi foreign policy. (n.d.). The Washington Institute. https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/shift-saudi-foreign-policy
[11] U.S. and Allies close to reviving nuclear deal with Iran, officials say. (2022, February 1). The New York Times - Breaking News, US News, World News and Videos. https://www.nytimes.com/2022/01/31/us/politics/iran-nuclear-deal-biden.html
[12] US media: Saudi Arabia is considering using the Yuan in oil sales to China. (2022, March 15). The Global Frontier. https://theglobalfrontier.com/us-media-saudi-arabia-is-considering-using-the-yuan-in-oil-sales-to-china/
[13] Habib al Badawi on LinkedIn: Kishida expresses willingness for UN reform | NHK WORLD-JAPAN news. (n.d.). LinkedIn. https://www.linkedin.com/posts/habib-al-badawi-76436716_kishida-expresses-willingness-for-un-reform-activity-6909218319346585600-N24i?utm_source=linkedin_share&utm_medium=member_desktop_web
: خاص (أيوب)
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



