Ayoub News


خاص أيوب


لماذا سقطت كابول دون قتال؟

الأربعاء 25 آب 2021 - 0:51

كتب (د. حبيب البدوي)  

عشرون عاماً من القتال اليومي خاضها الأميركيون على التضاريس الأفغانية الوعرة بمواجهة مقاتلي قبائل البشتون، والذين صد أجدادهم الإمبراطورية البريطانية (1839 – 1842) وجاهد آباؤهم الآلة العسكرية الروسية (1978 – 1989)، ليتحوّل المجتمع الأميركي خلال هذه المواجهة الطويلة (2001 – 2021) إلى ما يشبه مكوّن إسبارطي من المثيولوجيا اليونانية.

لماذا؟

خلال حرب فيتنام، كان التجنيد الإجباري سارياً في الولايات المتحدة الأميركية، ومن هنا كان القتلى من القوات المسلحة بأفرعها هم من مختلف شرائح المجتمع، لذا كانت النقمة الكبرى شعبياً على هذا التدخل العسكري وضحاياه من قتلى وجرحى ومعوقين. وانتشرت الاحتجاجات في مختلف المدن الأميركية (حتى إن موجة "الهيبز" وارتداداتها على تكوين الأسرة الأميركية كان من نتاج الصدمة الفيتنامية). أما الحملة على أفغانستان (وكذلك الحرب على العراق)، فقد كان المشاركون الأميركيون فيها من المتطوعين باختيارهم للثأر لبلادهم (وكذلك المتعاقدون في الشركات الأمنية من مختلف الجنسيات من أجل المال). وبذلك شارك في تلك الحرب الضروس 800 ألف جندي أميركي، قتل منهم 2442 وأصيب ما يزيد على 20 ألفا آخرين، وكذلك انتحر ما يقرب من 5 آلاف آخرين بعد عودتهم إلى ديارهم[1] (أما أعداد قتلى ومصابي ومعوقي مرتزقة الشركات الأمنية فمن الصعب إحصاؤهم).

على صعيد المتحالفين المحليين مع المحتل الأميركي، فقد فقدوا حوالي 60 ألف قتيلاً  خلال صراعهم الدامي مع أبناء جلدتهم[2]، في وقت حاولت واشنطن بناء جيش وطني أفغاني على الطريقة الغربية[3]، مزود بأحدث الأسلحة والتكنولوجيا، وفق أنظمة تدريب عالمية الجودة وعالية الكفاءة، بتكلفة فاقت 83 مليار دولار[4] من بين ما يقرب من 145 مليار دولار أنفقتها الحكومة الأميركية على محاولة إعادة بناء أفغانستان، وفقاً لمكتب المفتش العام الخاص بإعادة إعمار أفغانستان، وهو جهاز رقابي أنشأه الكونغرس وتتبع الحرب من بدايتها، التي بلغت تكلفة ذخيرتها فقط 837 مليار دولار من أصل 2 ترليون دولار التكلفة الإجمالية لتلك الحرب.

 من واشنطن، كان الرئيس جو بايدن يختم تصريحه[5] "الأحداث التي نراها الآن هي دليل محزن على أنه لا يوجد أي قدر من القوة العسكرية يمكن أن يوفر أفغانستان مستقرة وموحدة وآمنة، وهي المعروفة في التاريخ باسم مقبرة الإمبراطوريات"[6].

ولكي لا تتحمل إدارة البيت الأبيض الحالية مسؤولية الانهيار السريع وحيدة، لا بد من التذكير بأن اتفاق شباط 2020 بين مفاوضي طالبان ومبعوثي الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترمب في الدوحة زلزل أركان القوات الأفغانية الموالية للناتو، حيث شعر عناصرها وأفرادها بقرب التخلي عنهم وفشل رهانهم على الدعم الخارجي[7]. وبلغ كسر الروح المعنوية أوجه مع الإعلان الرسمي بأن تاريخ 11 أيلول 2021 سيكون الموعد النهائي لاكتمال الخروج الأميركي من أرض الأفغان[8].

لقد حاول الأميركيون بناء جيش أفغاني على شاكلة استراتيجيتهم العسكرية التقليدية، حيث الاعتماد على السيطرة الجوية المدعمة بالتفوق التكنولوجي وصور الأقمار الصناعية، رغم النقص الكبير في معرفة عادات وتقاليد ولغة خليط الاثنيات التي انضمت للجيش الأفغاني، الذي افتقر حتى الضباط فيه لمستوى مقبول من التعليم المتوسط.

وفي جبال الهندوكوش، تركزت جهود المستشارين الرسميين الأميركيين والمتعاقدين المتعددي الجنسية على بناء ألوية مشاة ميكانيكية في مناطق وعرة، مع إهمال أهمية الخبرات العالية المطلوبة في التدريب واللوجستيات ومهمات القيادة والسيطرة لهذه النوعية من التشكيلات العسكرية التقليدية.

مع بدء حملة طالبان المتسارعة، عجزت القواعد العسكرية الأفغانية المتباعدة عن الحصول على الإمدادات الحيوية من الماء والغذاء والذخيرة، فتهاوت بسرعة واحدة تلو الأخرى، وهجرها جنودها تاركين وراءهم معداتهم وآلياتهم وأسلحتهم غنائم لخصومهم.

الرقم المضخم لقوات الأمن الأفغانية المقدر بـ300 ألف جندي انخفض في الأسبوع الأول للقتال إلى 75 ألف حسب تقرير استخباراتي وصل للرئيس الأميركي بايدن نفسه[9]، وكانت التقديرات بأن هذه القوات قادرة على الدفاع عن العاصمة كابول، التي يبلغ عدد سكانها أكثر من خمسة ملايين نسمة، لمدة ستة أشهر على الأقل. ولكن حتى هذه التقارير لم تأخذ بالحسبان "الجنود الأشباح"، وهم عبارة عن أسماء وهمية موجودة على لوائح الرواتب في وزارة الدفاع الأفغانية، في حكومة ينخرها الفساد والرشوة على كافة المستويات[10]. وحسب "مركز مكافحة الإرهاب" التابع لمدرسة "ويست بوينت" العسكرية المرموقة[11]، 18 ألفاً فقط منهم كانوا تحت سلطة وزارة الدفاع الأفغانية (القوات البرية، الجوية، والخاصة). أما البقية، فكانوا من رجال الشرطة وعناصر الأجهزة الأمنية[12]، ومع ذلك تبخر الجميع، "إنها حكاية جيشين، أحدهما ضعيف التجهيز، ولكن لديه دوافع أيديولوجية عالية، والآخر مجهز بشكل جيد من الناحية الشكلية، ولكنه يعتمد على دعم الناتو، وقيادته سيئة وينخرها الفساد"[13].

دون قتال سيطرت طالبان على القصر الرئاسي ومحاور العاصمة، وتركت مبدئياً المنفذ الوحيد للهروب، ألا وهو المطار الذي تحوّل إلى قلعة عسكرية أميركية هرب نحوها عشرات آلاف المتعاونين الذين خدموا في صفوفهم لأكثر من عشرين سنة. كثير منهم ضباط وجنود في الجيش الأفغاني، وآخرون عملوا كمترجمين، آخرون قاموا بتعرية نسيج بلادهم للأجنبي عندما شرحوا وفسروا الثقافة والقانون القبلي وقواعد السلوك المطلوبة من أجل احتلال دولة تقوم على أسس عرقية متنوعة جداً. وعمل الكثير المترجمون أيضاً مع المقاولين الأجانب، ووجهوهم لإتمام الصفقات، وأقاموا علاقات، ونقلوا معلومات استخبارية مهمة لمن شغلوهم، كلهم سارعوا للمطار هرباً من المصير المجهول، رغم تطمينات قادة طالبان.

وتجدر الإشارة (والتأكيد أيضاً) أن الكثيرين أيضاً ممن سارعوا للهروب من البلاد كانوا من الناس العاديين الحالمين بالهجرة والحياة الكريمة في الغرب[14]، شأنهم شأن معظم سكان العالم الثالث المفتونين بالحلم الأميركي والرغد الأوروبي. فعلى سبيل المثال، كان من ضحايا السقوط من الطائرة العسكرية، لاعب كرة قدم ناشئ[15] وطبيب أسنان[16]، وبذلك كان "الهروب الكبير" نحو غد أفضل للبعض، وفرار من تهم العمالة والخيانة لكثيرين آخرين. 

مبدئياً انتهت الحملة العسكرية الأميركية على أفغانستان، وانضمت الولايات المتحدة الأميركية إلى الإمبراطورية البريطانية والاتحاد السوفياتي كتاريخ يروى عن صعوبة تلك البلاد وعصيانها على كل من يغزوها، ويبقى السؤال هل ستنعم بلاد الأفغان هذه المرة بالسلام؟ بخاصة مع وجود جيران أقوياء يحيطونها من كل جانب، فالقوات الروسية استنفرت قواعدها في طاجيكستان[17]، وجيش الشعبي الصيني عين الجنرال وانغ هايجيانغ في المنطقة الشمالية الغربية لإقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية)[18]، بل وقامت الدولتان المتنافستان بتدريبات عسكرية مشتركة!!![19]، بينما الحرس الثوري الإيراني بدأ الحشد فعلياً على الحدود المشتركة[20]، ومن جهتها، طالبان ورثت الترسانة العسكرية الأميركية الضخمة[21] والتكنولوجيا الغربية المتطورة[22] التي تركت مهجورة في بلادها!!!


[3] "لدى طالبان 80 ألف من المقاتلين مقارنة بـ300 ألف و699 جنديا بالاسم يخدمون الحكومة الأفغانية، ومع ذلك فقد تم اجتياح البلاد بأكملها فعليا في غضون أسابيع، بينما استسلم القادة العسكريون دون قتال في غضون ساعات".

A tale of two armies: Why Afghan forces proved no match for the Taliban. (2021, August 15). the Guardian.

[13] A tale of two armies: Why Afghan forces proved no match for the Taliban. (2021, August 15). the Guardian

[14]  الكاتب والباحث السياسي حكمت جليل للجزيرة نت، إن "الشباب الذين يأملون في مغادرة أفغانستان يرون أن هذه فرصة للجوء والهجرة إلى الدول الأوروبية. والأمر لا يتعلق بعودة طالبان فقط، لأن الوضع قبل وصولها إلى العاصمة لم يكن ورديا، حيث يعاني الشباب من البطالة والفقر وانعدام الأمن".



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



السؤال "العويص"

مشعل السديري

الأسنان والعمامة!

طارق الحميد

دويلة الأوهام

راجح الخوري

استقالة بتوقيت غرينتش

سمير عطا الله