خاص أيوب


عين إسرائيل الاستراتيجية في البحر الأحمر

الجمعه 17 تشرين الثاني 2023 - 21:19

كتب (أ. د. حبيب البدوي)

إن إنشاء الكيان الإسرائيلي لقاعدة استخباراتية كبيرة في جزيرة دهلك التابعة لإريتريا، في موقع استراتيجي على حوض البحر الأحمر، له آثار عميقة على الديناميات الأمن القومي العربي. هذا المرفق العسكري السري، المصمم للرصد والمراقبة، يدل على تتويج التعاون الإسرائيلي الإريتري الذي يعود تاريخه إلى منتصف تسعينيات القرن العشرين بعين شريرة ترصد شبه الجزيرة العربية عبر واحدة من أكبر القواعد البحرية والاستخباراتية الإسرائيلية خارج حدودها السيادية المحتلة. يقدم هذا التقرير الشامل تحليلاً متعمقاً لموقع القاعدة الصهيونية في إريتريا والغرض منها وآلياتها التشغيلية والآثار المترتبة عليها بناء على المعلومات المتاحة والسياق التاريخي.

المعلومات الأولية:

الموقع والبنية التحتية: تحتل القاعدة الإسرائيلية، الواقعة في جزيرة دهلك، على بعد حوالي 43 كيلومتراً من الساحل الإريتري و135 كيلومتراً من العاصمة أسمرة، نقطة جذب بحرية حيوية بالقرب من مضيق باب المندب. تتميز البنية التحتية بأبراج استطلاع تقع في التضاريس الجبلية، إلى جانب قواعد تحت الأرض تضم طائرات مقاتلة وقوارب عسكرية وغواصات ذات قدرة نووية. وتشير بعض التقارير أيضاً إلى تراكم النفايات النووية الإسرائيلية في دهلك وجزيرة فاطمة الإريترية الأخرى.

الغرض والأهداف: تتمحور الأهداف الأساسية للقاعدة الإسرائيلية حول الرصد والمراقبة في منطقة البحر الأحمر. وتشمل المهام الإشراف على مضيق باب المندب ومراقبة تحركات السفن التجارية وناقلات النفط والقوات البحرية. وتهدف القاعدة، التي تتمركز استراتيجياً، إلى القضاء على التهديدات المحتملة للمصالح التجارية لإسرائيل، وتتبع الصراع اليمني، ومراقبة نشاط البحرية المصرية والسعودية والإيرانية. كما أن جمع المعلومات الاستخباراتية عن السودان، لا سيما فيما يتعلق بشحنات الأسلحة المزعومة للمقاومة الفلسطينية، هو أيضا جزء من مهمتها.

آلية العمليات: تحت رعاية مديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، تشغل القاعدة وحدات تنصت إلكترونية متطورة. وتشمل آليات جمع المعلومات الاستخباراتية أبراج الاستطلاع وأجهزة التنصت والمعدات المتطورة. ومن المفترض أن المعلومات التي تم جمعها معروفة بالتنصت على الاتصالات اللاسلكية والهاتفية للسفن التي تمر عبر باب المندب والبحر الأحمر، تخدم أغراضا استراتيجية وعسكرية واستخباراتية.

العلاقات الإسرائيلية الإريترية: يعود تاريخ التعاون بين إسرائيل وإريتريا إلى منتصف عام 1990، وقد نما إلى علاقة استراتيجية، تميزت بالزيارات الدبلوماسية والعلاج الطبي للرئيس الإريتري أسياس أفورقي في إسرائيل، وافتتاح السفارة الإسرائيلية في أسمرة. كان الهدف هو جعل إريتريا أهم حليف استراتيجي لإسرائيل في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وتشكل قاعدة جزيرة دهلك حجر الزاوية في هذا التعاون، حيث توفر لإسرائيل نقطة مراقبة للعمليات الاستخباراتية لأذية الأمة العربية.

تحمل القاعدة الإسرائيلية في إريتريا عدة تداعيات جيوسياسية كبيرة، أهمها:

1- التعاون الاستخباراتي: قد يتعمق التعاون الاستخباراتي الإسرائيلي الإريتري، مما يؤثر على التحالفات والديناميكيات الإقليمية. وقد تعيد دول أخرى في المنطقة تقييم علاقاتها وتدابيرها الأمنية رداً على هذا التطور الاستخباراتي.

2- الديناميات الأمنية: تمتد قدرات المراقبة الإسرائيلية إلى الخصوم المحتملين، بما في ذلك مصر والسعودية، وإيران، والسودان، واليمن، وتؤثر هذه المعلومات في صنع القرار الاستراتيجي والعمليات العسكرية في القيادة الصهيونية عند القرار باستهداف المقدرات العربية.

3- المراقبة الإقليمية: يمكن الموقع الاستراتيجي للقاعدة إسرائيل من مراقبة طرق الشحن والأنشطة العسكرية والتحركات الإقليمية، مما يعزز قدرتها على العدوان وفقاً لأجندتها الخبيثة.

وبما أن الخيار العسكري غائب عن القرار الرسمي العربي، وكأضعف الإيمان، يجب:

1- التدقيق الدولي: يجب على المجتمع الدولي، بما في ذلك المنظمات والحكومات، التدقيق في أنشطة القاعدة الإسرائيلية في إريتريا.

2- التقييمات الأمنية: يجب على الدول المجاورة للبحر الأحمر، وخاصة مصر والسودان واليمن والمملكة العربية السعودية، إجراء تقييمات أمنية شاملة لفهم التهديدات ونقاط الضعف المحتملة المرتبطة بدور القاعدة الإسرائيلية التجسسية.

3- الدبلوماسية الإقليمية: يجب على الجهات الفاعلة الإقليمية الانخراط في الجهود الدبلوماسية لمعالجة المخاوف الناشئة عن القاعدة الإسرائيلية.

4- المراقبة والتحقق: المراقبة المستمرة للأنشطة في جزيرة دهلك أمر بالغ الأهمية لفهم القدرات والنيات المتطورة للقاعدة الإسرائيلية. يمكن أن توفر صور الأقمار الصناعية والمعلومات الاستخباراتية مفتوحة المصدر والقنوات الدبلوماسية رؤى لا تقدر بثمن.

تمثل القاعدة الإسرائيلية في جزيرة دهلك تطوراً زلزالياً في المشهد الاستخباراتي لمنطقة البحر الأحمر. وبينما تبحر الدول في هذا الواقع الجديد، فإن النظر بعناية في الآثار والتدابير الاستباقية سيكون حاسماً لتعزيز الاستقرار الإقليمي والعلاقات الدبلوماسية. إن المراقبة المستمرة والتدقيق الدولي ضروريان لإدارة التداعيات الجيوسياسية المحتملة المرتبطة بهذا الكشف الاستخباراتي. على أمل نخوة عربية على الطريقة الغزاوية تبيد هذه الخلية السرطانية في البحر الأحمر عن بكرة أبيها.

ملاحظات ختامية:

لا تشير القاعدة الإسرائيلية في جزيرة دهلك إلى تطور كبير في المشهد الاستخباراتي لمنطقة البحر الأحمر فحسب، بل تشكل أيضاً تهديدات محتملة للدول العربية. وبينما تبحر الدول في هذا الواقع الجديد، تمتد تداعيات القاعدة الإسرائيلية إلى ما هو أبعد من المراقبة الإقليمية والمناورات الجيوسياسية، بل تفتح الخيارات العسكرية لأي عدوان تخطط له المؤامرات الصهيونية في استهداف الأمن القومي العربي. تسلط النقاط البارزة التالية الضوء على التهديدات والتحديات التي قد تواجهها الدول العربية بسبب وجود هذه المنشأة الاستخباراتية الهائلة.

1- احتمال نشوب صراعات بالوكالة: يمكن استخدام المعلومات الاستخباراتية التي جمعتها إسرائيل في جزيرة دهلك لدعم الصراعات بالوكالة في المنطقة، الصومال نموذجاً. وسوف تجد الدول العربية نفسها مستهدفة أو يتم التلاعب بها من خلال وسائل سرية، مما يزيد من زعزعة استقرار المشهد الجيوسياسي.

2- التأثير في الاستقرار الإقليمي: إن وجود قاعدة استخباراتية إسرائيلية رئيسية في منطقة البحر الأحمر يقدم ديناميكية خطرة للاستقرار الإقليمي. ويمكن أن يسهم في زيادة التوترات، والتأثير على العلاقات الدبلوماسية، وربما التأثير في ميزان القوى. قد تجد الدول العربية نفسها تحت رقابة مستمرة، مما يؤثر في قدرتها على إدارة سياسات خارجية مستقلة، قد تتعارض مستقبلاً مع المطامع الصهيونية.

3- التحديات الدبلوماسية الإقليمية: يقدم الكشف عن القاعدة الإسرائيلية طبقة جديدة من التعقيد للدبلوماسية الإقليمية. يجب على الدول العربية أن تتغلب على تحديات التعامل مع خصم استخباراتي قوي على مقربة منها. وقد تكون العلاقات الدبلوماسية متوترة على الصعيد القومي، ويمكن أن تتأثر المفاوضات بعدم التماثل في القدرات الاستخباراتية.

4- التعاون والتحالفات الاستخباراتية: قد يؤدي تعميق التعاون بين إسرائيل وإريتريا في مجال الاستخبارات إلى تعزيز التحالفات الإقليمية التي يمكن أن تعمل ضد مصالح الدول العربية. وقد يتطور تبادل المعلومات الاستخباراتية بين إسرائيل وإريتريا إلى تحالف أوسع، مما يؤثر على السياسة الإقليمية ويهدد النسيج الأمني للعالم العربي.

5- الديناميات الأمنية والتهديد العسكري: تشكل قدرات المراقبة الإسرائيلية، التي تمتد إلى خصوم محتملين مثل مصر والمملكة العربية السعودية وإيران والسودان واليمن، تهديداً أمنياً مباشراً لتلك الدول. يمكن للعدو استخدام المعلومات الاستخباراتية التي تم جمعها لصنع القرار الاستراتيجي والعمليات العسكرية، وإيجاد نقاط ضعف للأمة العربية، وتغيير الديناميات الأمنية في المنطقة.

6- المراقبة الاستراتيجية والتأثير: يتيح الموقع الاستراتيجي للقاعدة الإسرائيلية في جزيرة دهلك مراقبة شاملة لطرق الشحن والأنشطة العسكرية والتحركات الإقليمية. وتمنح قدرة المراقبة هذه إسرائيل رؤى لا مثيل لها حول القرارات والحركات الاستراتيجية للدول العربية المطلة على البحر الأحمر، مما قد يعرض عامة العالم العربي للخطر.

وأخيراً، فإن التهديدات التي تتعرض لها الدول العربية والناجمة عن القاعدة الإسرائيلية في جزيرة دهلك متعددة الأوجه، وتشمل المراقبة الاستراتيجية، ونقاط الضعف الأمنية، والتحديات الدبلوماسية، والتحولات المحتملة في التحالفات الإقليمية، وقدرة العدو على الاعتداء متى شاء. وفي الوقت الذي يتصارع فيه المجتمع الدولي مع الآثار المترتبة على هذا الكشف الاستخباراتي، يجب على الدول العربية تقييم المخاطر بعناية والنظر في استراتيجيات تعاونية لحماية مصالحها والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، بما فيها الحل الاستئصالي الجذري. إن المراقبة المستمرة للأنشطة في جزيرة دهلك والمشاركة الدبلوماسية الاستباقية أمران حتميان لمعالجة هذه التهديدات الناشئة والتخفيف من حدتها في المرحلة الراهنة.

ختاماً، دهلك أقرب من أم الرشراش (إيلات) ...



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة