Ayoub News


خاص أيوب


طريق الحرير الصينية تمر في أفغانستان



الجمعه 3 أيلول 2021 - 0:28

كتب (د. حبيب البدوي)

للحروب أشكال متعددة، فبعد حربين عالميتين دمويتين طاحنتين، عاش العالم على وقع الحرب الباردة بين الرأسمالية الغربية (حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة الأميركية) والشيوعية الأممية (حلف وارسو بزعامة الاتحاد السوفياتي)، والتي انتهت بانهيار المعسكر الاشتراكي وتسيد القطب الواحد الأميركي للعالم، حيث سادت مقولة "نهاية التاريخ"، وأبدية الإمبراطورية الأميركية.

ومع السطوة الأميركية على العالم، والتي فاجأتها أحداث 11 أيلول 2001، طرح "صدام الحضارات" كحتمية للصراع بين الشرق والغرب. وبينما كانت واشنطن تغوص في مستنقعات العراق وأفغانستان في غزوات عبثية، كانت بكين تعمل بهدوء لإطلاق مبادرة "الحزام والطريق"[1] لإحياء "طريق الحرير" التاريخي[2] الذي ربط الصين بالعالم، وذلك اعتماداً على بناء "أوسع بنية تحتية في الكرة الأرضية" تربط القارتين الآسيوية والأوروبية (وتشمل بحرياً إفريقيا وأميركا اللاتينية).

براً، تشمل المبادرة ستة ممرات اقتصادية أساسية تشكّل عصب شبكة التجارة، والنقل، والتنمية الإقليمية، والدولية القادمة، وهي:

1- الجسر البري الأوراسي الجديد الذي يمتد من غربي الصين إلى روسيا الغربية.

2- ممر "الصين – منغوليا – روسيا" الذي يمتد من شمالي الصين إلى الشرق الروسي.

3- ممر "الصين – آسيا الوسطى – آسيا الغربية" الذي يمتد من غربي الصين إلى تركيا.

4- ممر "الصين – شبه جزيرة الهند الصينية" الذي يمتد من جنوبي الصين إلى سنغافورة.

5- ممر "الصين – باكستان" الذي يمتد من جنوب غربي الصين إلى باكستان.

6- ممر "بنغلاديش – الصين – الهند – ميانمار" الذي يمتد من جنوبي الصين إلى الهند.

وفي البحر، تركز المبادرة على بناء روابط بين الموانئ الرئيسية، ومن الممرات البحرية المقترحة ممر يربط الموانئ الصينية، بالمحيط الهادئ عبر بحر الصين الجنوبي، وآخر يربط الموانئ الصينية بأوروبا.

هذا الطموح الصيني فجّر الحرب التجارية مع الولايات المتحدة الأميركية[3]، حيث لاح تفوق التنين الآسيوي، بخاصة أن مديونية واشنطن لبكين قد بلغت 1.07 تريليون دولار[4]، مع رفض الصين لتقليص حصصها في سندات الخزانة الأمريكية بحدة لأن ذلك سيضر بمصالحها الخاصة ويذكي تقلبات السوق ذات الطبيعة الخطرة.

الحدث العالمي الحالي يضج في بلاد الأفغان، وفيها محطتان بريتان مهمتان لممر الطموح الصيني، هما العاصمة كابل "جوهرة الشرق" وننغرهار حيث موقع "هَدّه" الأثري الذي يعد مهد الحضارة البوذية[5]. وهناك خياران رئيسيان لربط أفغانستان بالمبادرة الصينية، الأول عبر الممر الاقتصادي – الصيني الباكستاني[6] من خلال أربع نقاط للسكك الحديدية في مقاطعات هلمند وقندهار وخوست وننغرهار، وكذلك شمالاً من خلال جمهوريات آسيا الوسطى.

ومن هنا، وقبل السقوط المدوي للحكومة الكرتونية الأفغانية، استضافت السلطات الصينية وفداً من حركة طالبان على أراضيها[7]، وأعلنت وزارة الخارجية الصينية عن رغبتها في المساهمة في إعادة إعمار أفغانستان[8] ودعوتها لعلاقات ودية مع طالبان[9]، فيما أعلنت السفارة الصينية في الولايات المتحدة بأن بكين تسعى إلى "تجنب المزيد من توسع الصراع في أفغانستان"[10].

ولقد تحدثت وسائل الإعلام الصينية عن آفاق التعاون المقبل استناداُ إلى الاتفاقية التي وقعتها بكين مع كابول[11] سابقاً، والتي تساهم فيها الدبلوماسية الناعمة الصينية عبر مبادرات الإعمار والمنح التعليمية وتعزيز القطاع الصحي في علاقة ود مع الأفغان، مقابل أن تستفيد من المعادن النادرة والنفيسة في الأرض الأفغانية والتي تقدر ما بين 1.5 ترليون دولار[12] وثلاثة ترليونات[13]، وتعد المعادن النادرة التي تهيمن الصين على جزء كبير من احتياطاتها العالمية إحدى نقاط الضعف في الصناعة الأميركية ونقطة قوة لدى الحكومة الصينية في حربها التجارية ومعركتها التقنية مع الولايات المتحدة.

ومع سيطرة مقاتلي الحركة على القصر الرئاسي ومن ثم العاصمة، كانت التصريحات الرسمية الصينية تتسم بالإيجابية تجاههم[14]، فيما استضاف التلفزيون الرسمي الصيني المتحدث الرسمي باسم طالبان "سهيل شاهين" في لقاء حواري تم التطرق فيه إلى نيات إعادة إعمار أفغانستان[15]، وفي هذا إشارة واضحة إلى النيات الصينية على هذا الصعيد.

مما لا شك فيه أن الصين باستطاعتها الاعتماد على حليفها الباكستاني لضبط الإيقاع الطالباني، إذ استثمرت الصين عشرات المليارات من الدولارات في مبادرة الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، والذي يشمل مجموعة من مشاريع البنية التحتية من بينها مشاريع قيمتها 47 مليار دولار قيد الإنشاء في جميع أنحاء باكستان منذ عام 2013، من إجمالي مشاريع الممر الباكستاني الصيني البالغة 70 مليار دولار.

ولكن رغم كل هذه المغريات الاقتصادية المتبادلة يبقى الجذر الصيني بانتظار وضوح الرؤية تجاه الحكومة الجديدة المزمع إقامتها في كابول، ومعرفة ماهية الترتيبات المتفق عليها خلال المفاوضات الطويلة بين قادة طالبان والمفاوضين الأميركيين في الدوحة[16]، فعشرة جولات من المحادثات الطويلة والمفصلة، لا بد وأنها أنتجت اتفاقاً ببنود سرية، تظهر تبعاتها ونتائجها مع مرور الزمن.

وهنا لا يجب أن ننسى مأساة أقلية الإيغور في الصين، فهل ستتحول إلى ورقة ضغط أميركية تجاه بكين؟ أم أن الدبلوماسية الصينية[17] حصلت على وعد من "طالبان أن تفعل أي شيء في وسعها لضمان عدم وجود مجموعات من الإيغور في أفغانستان يمكن أن تهدد الصين[18]"، مقابل مد شبكة صينية للاتصالات السلكية واللاسلكية وفتح طريق جوي بين كابول وأورومتشي، وتشغيل منجم نحاس في "مس عينك"، على بعد حوالي 40 كيلومترًا جنوب شرق كابل، بعقد قيمته 2.83 مليار دولار[19]، مما يوفر لطالبان بعض السيولة لقيام بالأعباء الحكومية المترتبة على إمساكها للحكم.

ختاماً، يتبادر إلى الذهن، وقوع حرب فيتنامية – صينية[20] بعد الانسحاب الأميركي من سايغون، فهل أوقعت الولايات المتحدة غريمتها الصين في الفخ الأفغاني؟ بخاصة مع حديث وسائل الإعلام الشعبوية عن قرب قاعدة "باغرام"[21] من الأراضي الصينية وإمكانية تحويلها إلى معسكر لجيش التحرير الشعبي[22]، ليكون قدر الشعب الأفغاني أن يواجه الغزو الرابع على أراضيه، أم أن الدبلوماسية الصينية تدرك الكمين الأميركي وستعتمد الدبلوماسية الناعمة لتحقيق أهدافها الاقتصادية ومصالحها القومية على الأرض الأفغانية؟

 


[17] صرّح هوا بو، المحلل السياسي المستقل في بكين، إنه مع انتقال السلطة إلى طالبان فإن لدى بكين بعض المطالب الرئيسية، "الأول هو حماية استثمارات الصين وضمان أمن المواطنين الصينيين... ثانيا، من الضروري قطع العلاقات مع انفصاليي شرق تركستان (شينجيانغ) وعدم السماح لهم بالعودة إلى مقاطعة شينجيانغ".

Deutsche Welle (www.dw.com). (n.d.). أفغانستان ـ تردد بين الاعتراف بطالبان والتهديد بعزلها دوليا. DW.COM.

[21] توصف هذه القاعدة الجوية الشاسعة بأنها أكبر منشأة عسكرية تستخدمها القوات الأمريكية وقوات الناتو في أفغانستان، وكان يتمركز فيها عشرات الآلاف من العسكريين في ذروة العمليات العسكرية الأمريكية في هذا البلد.هذه القاعدة الجوية الضخمة التي بناها السوفييت ثمانينيات القرن الماضي، واستخدمها الأمريكيون على مدى عقدين من الزمن مركزا للقيادة والعمليات الجوية في البلاد.

Bagram air base in Parvan province, Afghanistan. (2018, January 4). Military Bases.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



السؤال "العويص"

مشعل السديري

الأسنان والعمامة!

طارق الحميد

دويلة الأوهام

راجح الخوري

استقالة بتوقيت غرينتش

سمير عطا الله