Ayoub News


خاص أيوب


حان وقت تحرّر دار الفتوى من السياسة

الاثنين 19 تشرين الأول 2020 - 0:25 6614

كتب (هشام عليوان)

في الظهور الأخير للرئيس سعد الحريري على شاشة الأم تي في، في برنامج "صار الوقت"، نطق "بيّ السنّة" بعبارة جوهرية يمكن تعميمها كقاعدة في الحياة الدينية والسياسية، لأهل السنّة، في الأقل. وهو مبدأ فصل المرجعية الدينية عن أهواء السياسة وانحيازاتها. فلا يصحّ لمقام الإفتاء، أن يكون منبراً سياسياً، بحسب تعبيره، وهو سياق جديد، منذ قيام لبنان الكبير، إذ كان اعتيادياً أن تكون لمفتي بيروت، الذي أصبح لاحقاً "مفتي الجمهورية" مواقف أساسية في مراحل متعاقبة وفاصلة من تاريخ لبنان.

لا بأس في هذا الكلام، إن كان مؤدّاه تحرير دار الفتوى من هيمنة السياسيين، ومن تدخلاتهم. فهذا هو ما يعانيه المجال الديني السني حقاً، لا العكس. ليس الآن، بل من زمن بعيد. لا يتجاوز سماحة المفتي عادةً نطاق أهل السياسة ولا حدودهم المرسومة، وينطبق ذلك على مجمل الجسم الديني في بيروت والمناطق. بل إنّ ممارسات وإجراءات وتعديلات قام بها السياسيون، جعلتهم أوصياء على العلماء بطريقة ما، وعلى دار الفتوى خاصة، وما يتفرّع منها من مؤسسات. وها هو الزعيم الأقوى أو الأوحد لأهل السنة، يمنح الضوء الأخضر لتبديل أساسي في العلاقة بين السياسي والديني، فيتحرّر سماحة المفتي من أعباء السياسة العامة، ويعكف على الشؤون الدينية، إصلاحاً، وتطهيراً، ورعاية للعلماء وطلاب العلم، وللمؤسسات والجمعيات، وللأوقاف وشجونها، وهي مهمات ثقيلة الوقع، ينوء بعبئها أيّ شاغل لمقام الرئيس الديني لأهل السنة. وهذا هو المضمون الحرفي لنص المرسوم الاشتراعي رقم 18 الصادر عام 1955، إذ إن "مفتي الجمهورية هو الرئيس المباشر لجميع علماء الدين المسلمين، والمرجع الأعلى للأوقاف الإسلامية ودوائر الإفتاء، ويمارس جميع الصلاحيات المقرّرة له في القوانين والأنظمة الوقفية والشرعية. وهو يشرف على أحوال المسلمين ومصالحهم الدينية والاجتماعية في مختلف مناطق الجمهورية اللبنانية".

ووفقاً، لصلاحيات سماحة المفتي، ونطاق عمله، الديني والاجتماعي، هو ليس مرتبطاً بعلاقة تابع ومتبوع، مع رئيس الحكومة القائم، ولا القاعد أو السابق من باب أولى، ولو كان يظنّ أو يظنّون أنه زعيم الطائفة الأوحد. وليس ملزماً بأن ينحاز إليه سياسياً، بالضدّ من منافسيه أو حتى خصومه. وليست دار الفتوى، ولا الخطباء أو أئمة المساجد، شبكة انتخابية لتيار المستقبل، ولا لأيّ حزب سياسي زعيمه سني. أكثر من ذلك، وطبقاً لتوجيهات الحريري التي أعلنها في الحوار التلفزيوني الأخير، ينبغي الفصل الحاسم بين وظائف العلماء في المساجد والقضاة في المحاكم الشرعية والإداريين في دار الفتوى وفي الأوقاف، وفي المؤسسات الأخرى، وبين الانتماء أو الهوى السياسي. وينبغي العمل على تحصين العاملين الدينيين من مداخلات الجهات السياسية التي تسعى إلى استمالتهم، أو زرع موالين لهم في تلك المؤسسات، لأغراض لا دخل لها بالعمل الديني أو ما يحقّق مقاصده من أيّ وجه. وليست المداخلات حصراً من تيار المستقبل، بل من كلّ القوى الفاعلة. 

ولعلّ الفصل بين الإدارة الدينية السنية والسياسة، هو باكورة الإصلاح في الإدارة عامة، فعلّة العلل في الدولة اللبنانية، والتي جعلتها تتضخّم في العقود الأخيرة، فتستنزف موارد الخزينة، هو حشو الإدارات المختلفة بمنسوبي الأحزاب ومناصريها، من دون قيمة مضافة. وهذا ما حوّل الدولة بوزاراتها ومؤسساتها، جزراً طائفية وسياسية، بكل معنى الكلمة، فانتشر الفساد السياسي الذي هو أعلى وأخطر من الفساد الإداري.

إنّ منطوق المبادرة الفرنسية ومنطقها، وما هو ملقى على عاتق الحكومة الجديدة، القيام بعملية جراحية في الجسم الإداري المترهّل، ولعلّ عبارة "ترشيق الدولة" في عهد الرئيس رفيق الحريري، هي الدواء المرّ الآن، الذي لا مفرّ منه. لكن ما هو أولى وأجدر، هو "تطهير" الإدارة من السياسة، ومن أزلام السياسيين، بدءاً من الإدارة الدينية للمسلمين.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



الرحمة والتعارف

رضوان السيد

حرب الاسترداد

محمد الرميحي

ملاكمة من تحت الحزام

مشعل السديري

تَلطف

سمير عطا الله



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...