Ayoub News


وجهات نظر


الحريري وساعة الحقيقة

الاثنين 12 تشرين الثاني 2018 - 15:58 903

بعد إعلان نصر الله نفسه مرشداً للجمهورية.. الحريري أمام ساعة الحقيقة:

إما مواجهة سياسية أو الخروج وإدارة معارضة وطنية تسقط حزب الله

 

أحمد الأيوبي

أذاع أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله البيان رقم 1 في كلمته يوم السبت الماضي معلناً بدأ مرحلة إزاحة السُّنة من الحكم والبدء عملياً بتقويض إتفاق الطائف، وإعتماد لغة القوة بشكل مكشوف وبدون أي قناع، واضعاً الجميع أمام ساعة الحقيقة التي يبدو أنها باتت قريبة جداً، وموجهاً التهديد المباشر للمرجعيات الدينية والقيادات السياسية المعترضة على قيامه مع حلفائه بتمزيق النسيج السياسي للتركيبة الطائفية وتوازناتها وقواعد الدستور، وفرض أعرافٍ جديدة تنقلب على هوية لبنان وتنوعه الحضاري.

وما لم يعلنه نصرالله صراحة عبـّرت عنه صحافته وأقلامه تحت عنوانين عريضين: إنتهاء زمن "الأوادمية" وبدأ زمن القهر والإذلال المعلن، أو زمن "البلطجة" على حد تعبير الوزير جبران باسيل ذات يوم في وصف القطب الآخر من الثنائية الشيعية ، فكيف سيكون ردّ أهل الطائف وهل سيكون بمستوى التحدي؟

- في البعد العربي والإقليمي
نصّبَ نصر الله نفسه مرجعاً لحركات العصيان والتمرد الشيعي في اليمن ودول الخليج وواصل إعطاء التعليمات للحوثيين واعداً إياهم بالنصر في وقت تنهار قواتهم في معقلهم بصعدة وتتفسخ قيادتهم السياسية. زعم نصرالله أن نظام بشار الأسد في سوريا هو مرتكز مشروع مواجهة العدو الصهيوني، في حين أنه على مدى خمسين عاماً، منذ حرب تشرين، من حكم آل الأسد كانت سوريا بمكاملها تحت السيطرة، ولم تطلق رصاصة واحدة على جبهة الجولان ومؤخراً أعاد النظام فتح معبر القنيطرة مع الإحتلال الإسرائيلي.

- معادلة بيع البيوت لحماية الصواريخ الحامية للحدود!
أعاد نصرالله الإدعاء بأن صواريخ حزبه تحمي الأرض والعرض، وبأنها عنصر تفوّق على الجيش ، ولكن المفارقة أنه يدعو إلى بيع الناس لبيوتها لحماية الصواريخ وهو أمرٌ يحتوي إشارة ضعفٍ ويوحي بثقل العقوبات الأميركية على إيران وأحزابها. توجه نصرالله بالقول إن "لبنان يجب ان يتحمل هذا المستوى من الضغط الدبلوماسي لأن التخلي يعني ان يصبح لبنان مفتوحاً للعدوان الاسرائيلي في اي وقت واي لحظة، ليس شرطاً أن تكون حرباً وانما اعتداءات متكررة كما كان يحصل دائماً بين الحروب منذ 1948 الى 2006. وبينما حوّل القرار 1701 الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة إلى منطقة آمنة بسبب منع النشاط العسكري لـ"حزب الله" في نطاق تطبيق القرار الدولي، ذهب نصرالله إلى الإدعاء بأن صواريحه هي التي تحمي الإستقرار جنوباً، متجاهلاً حقيقة إشعاله للحرب الأكثر تدميراً للبنان جاء بسبب قراره المنفرد والمثير للندم بخطف الجنديين الإسرائيليين ليعلن بعدها أنه لو كان يعلم...

- ألا في الطائفية والمذهبية سقط
بدا نصرالله ظريفاً عندما إعتذر من متابعيه لأنه في الملف اللبناني سيتحدث حول القضايا الطائفية وكأنه كان في تناوله الملفات الأخرى بعيداً عن الطائفية ، وهو الداعم للطائفي الأول في العالم العربي (بشار الأسد) والداعم للمليشيات الطائفية في العراق واليمن والبحرين ، فبدا نصرالله وكأنه يستغفل العقول بكلام شديد السذاجة والسطحية.

- في موضوع الحكومة: مواجهة الإجماع اللبنانيإستفاض نصرالله وتشعّب وإستطرد في تبريره لتمسكه القاطع بتوزير النواب "سنّة سرايا المقاومة" التابعين له، ليظهر بوضوح أنه في الضفة المضادة للإجماع اللبناني. فحليفه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يرى أن هؤلاء لا يشكلون كتلة وأنهم جاؤوا إلى الإستشارات النيابية الملزمة في إطار كتلهم التي ينتمون إليها، وأنه لا يستطيع أن يكسر الرئيس المكلف سعد الحريري. وقد إصطف في هذا الرفض إضافة إلى الحريري النائب السابق وليد جنبلاط والقوات اللبنانية والمرجعيات الدينية الكبرى وخاصة دار الفتوى والبطريركية المارونية.

هدّد نصرالله بقلب الطاولة وبإعادة النظر في أساس التركيبة الحكومية وألمح بشكل محدّد إلى تغييرٍ أعمق يطال إتفاق الطائف، مستنداً إلى ما يراه لحظة إقليمية ودولية سانحة تتيح له قضم قسم جديد من النظام السياسي في لبنان. ولعلّ أخطر ما إنزلقت إليه القوى السياسية، وأوّلها التيار الوطني الحرّ ورئيس الجمهورية، بعد خطيئة قانون الإنتخاب، هو قبولها بفكرة ترجمة نتائج الإنتخابات (النسبية) في الحكومة، الأمر الذي أدخل عملية التأليف في نفق عملية إبتزازٍ وتلاعب طاول التوازن الطائفي والوطني في الحكومة المنتظرة.

- تقويض الطائف
عملياً ، يريد نصرالله تقويض الطائف وتفريغه من خلال سلسلة الإبتزاز التي يديرها مع حليفه رئيس التيار الوطني الحر ، ويمكن إختصارها بالآتي:

ــ إعلان باسيل أنه يهدف إلى إقتسام الحكم أو التساوي فيه ، وهذا موقف يستكمل مسار باسيل في تعطيل مفاعيل الدستور ورفض تطبيقه ، وخاصة في مجال الوظيفة العامة ما دون الدرجة الأولى المحرّرة من التوازن الطائفي ، فضلاً عن تدخله في عملية تشكيل الحكومة ووضعه علامات النقض والمنع وإعلانه المعايير المتعددة والمواصفات المتقلبة.
ــ فرض "حزب الله" شروطه بكسر آحادية التمثيل لتيار المستقبل من خلال إكراه الرئيس الحريري على تمثيل "سنّة سرايا المقاومة"، في عملية قهر سياسي فجة، أوصلت نصرالله إلى القول بأنه لن تشكل حكومة ولو بعد ألف عام إذا لم يتم توزير هؤلاء.

وحديث نصرالله عن الحصة الشيعية الوزارية قياساً إلى عدد النواب الشيعة هو مفتاح ضرب الطائف عبر التلاعب بالحصص والتوازنات ، وهو طرح يتكامل مع استحضار توزير العلويين والأقليات ، ولا شك أن إستنبات هذا النوع من التوزير يصبُّ في حصة "حزب الله" وحلفائه، وهو مرادفٌ لتغيير صيغة الحكم، والإبتزاز الحاصل الآن هو إما كسر الحريري أو الوصول إلى "مؤتمرٍ تأسيسي".

- مغالطات فاضحة
إعتبر نصرالله أن عقدة القوات اللبنانية أخـّرت تشكيل الحكومة خمسة أشهر، معلناً أن له الحق في فرض الإنتظار على اللبنانيين أشهراً وسنوات حتى الإستجابة لشرطه توزير "سنّة سرايا المقاومة". وكلام نصرالله هذا يجافي الواقع. فعقدة القوات نشأت أساساً بسبب التدخل المتواصل للوزير جبران باسيل في ملف التشكيل وإصراره على تحجيم القوات وإحراجها لإخراجها. كانت القوات في موقع المعتدى عليها بعد أن غدر بهم التيار الوطني الحر وأطاح بإتفاق معراب، وهي تمتلك شرعية التمثيل النيابي وأحقية الحصول على وزارة سيادية بموجب المناصفة في التمثيل المسيحي. أما العقدة الدرزية كما أسماها نصرالله أيضاً فهي نتجت عن عدوان الوزير باسيل على الموحدين الدروز عبر إختراع كتلة ألصقوها بالنائب طلال أرسلان لفرض الإختراق في الجبل. في المقابل، فإن نصرالله يمارس عدواناً سافراً على السنة من خلال إستجماعه نواباً من كل وادٍ عصا وتحويلهم إلى حصان طروداة في الساحة السنية.

- موقف تيار المستقبل

كان لافتاً أنه منذ بروز ما سُمي العقدة السنية محدودية قدرة تيار المستقبل على الردّ، فإقتصرت المواقف على تصريحات بعض النواب وخاصة في عكار، وعلى رفع صور الرئيس الحريري من دون أن تنجح هذه الحركة في إحداث التوازن السياسي المطلوب.
وكان لافتاً في هذا الإطار كلام وزير الداخلية نهاد المشنوق خلال ذكرى اللواء وسام الحسن، حيث كان دقيقاً في الإشارة إلى أنّه "لا تجوز ان تكون التسوية مدخلاً للتراجع أو الجبن". وكلامه من البقاع قبل أسبوع حين قال إنّ " الخزّان الكبير الذي اسمه المسؤولية الوطنية لدى أهل السُنّة بدأ ينفد، بعدما تعرّض للاستنزاف حتّى لا أقول للابتزاز" وكلامه من دار الفتوى حيث أعلن أنّ "سنّة سرايا المقاومة" طرقوا "الباب الخطأ"، قاصداً اجتماعهم لدى حزب الله في بداية حركتهم السياسية. ومما فاقم مظهر العجز هذا أن وسائل إعلام المستقبل تعاملت بصمتٍ غريب مع كلام نصرالله، بينما إنفلتت صحافة "حزب الله" وإعلاميوه تحليلاً وتهديداً مباشرة بعد خطاب أمينه العام، ولا يمكن الإحتجاج بإنتظار موقف الرئيس الحريري لأن هناك عناوين كبرى وثوابت في الخطاب والنظرة الإعلامية لا تحتاج إلى الإنتظار في هذه اللحظة المفصلية.

- الحريري أمام ساعة الحقيقة

يقف الرئيس الحريري أمام إستحقاق لا يتعلّق بموقعه الحزبي أو السياسي الشخصي ، بل يتعداه ليتصل بمصير لبنان الكيان والصيغة والدستور وتوازنات الحكم والعيش المشترك والرسالة.
يواجه الرئيس الحريري هذا التحدي في حين يفقد فيه، ولو تدريجياً، الكثير من عناصر القوة الذاتية والتحالفية، وبدل مواجهة خصومه ، فتح معارك داخل البيت السني في عملية تآكل ذاتية مثيرة للذهول ، تضمنت محاربة الطاقات وإسكات الأصوات والإتيان بأطفال سياسيين بعد إقصاء عتاة السياسة، في مواجهة ينتصب في ساحاتها الذئاب والوحوش. يوحي الرئيس الحريري بصمت أنه ضعيف بسبب التطورات الخارجية، لكن نظرة هادئة للواقع الدولي والإقليمي تعطي فكرة عن أنه ليس متروكاً وأن داعميه كثر، من واشنطن مروراً بباريس وليس إنتهاءاً بالرياض والقاهرة، وهو دعم لا تستطيع صواريخ نصرالله اختراقه لأن الأخير لا يزال يتحرك تهديداً، ولو تحت سقف التفاهمات الدولية، وهو لا يملك القدرة على وقف تعاون الجيش اللبناني مع الإدارة الأميركية ولا إخراج لبنان من خطوط العلاقات الدولية القائمة. فلماذا إستضعاف الذات وتعرية الواقع السني من الحضور السياسي والوطني وحرمانه من زخم وطاقة توازي حقيقة حجمه وحضوره، بينما هو يتآكل نتيجة السلسلة المتواصلة للأخطاء والتنازلات والخيبات.

 الرئيس الحريري أمام خيارين لا ثالث لهما:
ــ إما المواجهة وخوض معركة سياسية يستحضر فيها كل عناصر القوة ويتخلى عن المترددين والرماديين وأصحاب الصفقات لأن ساعة الحقيقة قد أزفت ولم يعد من مجال للتأجيل أو التهرب والتسويف.
ــ أما الخيار الثاني فهو أن يخرج الرئيس الحريري من السلطة ويقود معارضة وطنية جامعة بظروف ومتطلبات المرحلة، وليتحمل "حزب الله" مسؤولية الحكم منفرداً في ظل العقوبات الأميركية، وهذا سيؤدي إلى سقوط تجربة الحزب رغم الثمن الباهظ الذي سيدفعه لبنان، لكنها ربما تكون الوسيلة المتاحة لإفهام من نصب نفسه مرشداً للجمهورية اللبنانية أن يجب أن يكون "آدمياً" زيادة عن اللزوم بالفعل لا بالتكبر والعجرفة.

أخشى ما نخشاه أن تقف أجيالنا بعد سنوات مرددة قول الشاعر في رثاء الأندلس بفقدنا الوطن والطائف الذي لم يحفظه حكامنا مثل الرجال!!



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



الصدق عارياً

البروفيسور إيلي الزير

الكاسب الخسران

مشعل السديري

حزب الله وإشكاليّته

الشيخ خلدون عريمط

حفر الأنفاق

راجح الخوري



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...