Ayoub News


عربي ودولي


بعد 25 سنة على مجزرة سربرنيتشا ما زال بعض المجرمين طلقاء

السبت 11 تموز 2020 - 9:16 1975

ترجمة (هشام عليوان)

سيرج براميرتس*(الغارديان/9 تموز)

هذا السبت، كما في كل 11 تموز من كل عام، في ذكرى مجزرة سربرنيتشا (شرقي البوسنة)، يُدفن رفات ضحايا جدد تمّ التعرّف على هويات أصحابها إلى جانب آلاف آخرين في المقبرة والموقع التذكاري في المدينة البوسنية. لكن جثامين ألمير هاليوفتيش، وصاقب كيفيرتش، وأمين مصطفيتش، وفؤاد دوزيتش الذين ماتوا في مذبحة عام 1995، لن يكونوا من بينهم.

قبل 25 عاماً، ارتكب قادة الصرب البوسنيون إبادة ضد مسلمي بلدة سربرنيتشا. كانت البلدة قد صُنفت منطقة دولية آمنة. لكن الصرب البوسنيين حاصروها واستولوا عليها وأعدموا على نحوٍ منهجي أكثر من 7 آلاف رجل وفتى، ودفنوهم في مقابر جماعية. أما النساء والأطفال والمسنّون وعددهم حوالى 35 ألفاً فقد روّعوهم قبل طردهم من المنطقة.

ومن بين من اصطحبهم الصرب لإعدامهم، ألمير (15 عاماً) مع صاقب وأمين وفؤاد، من ضمن 1200 رجل وفتى، إلى أحد ميادين القتل، في مزرعة برانجفو العسكرية. نجا هؤلاء بأعجوبة من بين أكوام الجثث المصابة بطلقات الأسلحة الأتوماتيكية.

لاحقاً، اكتشفهم جندي صربي كان يرعى ماشيته، وهم مغطون بالدماء ويلجأون تحت شجرة تفاح. وبدلاً من إبلاغ وحدته العسكرية، أطعمهم وألبسهم. أما ابنه وهو كذلك جندي في جيش صرب البوسنة، فأرشدهم إلى منطقة سيطرة مسلمي البوسنة.

لكنهم لم يتمكنوا من النجاة. قبضت عليهم قوات صرب البوسنة، وانتزعت منهم اعترافات عن المساعدة التي تلقوها من الأب والابن الصربيين، اللذين تعرضا لعقوبة السجن بسبب تصرفهما الإنساني.

نجا ألمير وصاقب وأمين وفؤاد من مزرعة برانجفو، لكنهم لم ينجوا من اعتقالهم الثاني. وكانوا من بين ألف تقريباً من الرجال والفتيان الذين ما زالوا مفقودين حتى اليوم. وفي محاولة فظيعة لتغطية جرائمهم، أمر قادة صرب البوسنة بحفر المقابر الجماعية الأصلية وأُخفيت بقايا الجثث.

وقد علم العالم الحقيقة، بفضل شهادات الناجين الشجعان وجهود عائلات الضحايا.

إن المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY)والتي أنشأها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والتي خدمتُ فيها 10 سنوات كمدّع عام، قامت بجزئها من العمل. وأحكام المحكمة واضحة: إن إبادة ارتكبت في سربرنيتشا. وتمّ التخطيط لها على أعلى مستوى سياسي وعسكري. ونُفذّت من خلال عمل منسق لإزالة السكان المسلمين لسربرنيتشا. ومن المُدانين بجرائم سربرنيتشا الرئيس الصربي السابق رادوفان كاراجيتش، وقائد الأركان في جيش صرب البوسنة راتكو ملاديتش، الذي قضيته الآن في مرحلة الاستئناف.

وما زال الكثير بانتظار تحقيقه لتحقيق العدالة والمصالحة في المنطقة.

وانتقلت مطرقة القضاء الآن إلى المحاكم الوطنية في المنطقة عقب انتهاء ولاية المحكمة الجنائية الدولية عام 2017. وفي البوسنة والهرسك حقّقت السلطات هناك تقدّماً مهماً على هذا الصعيد. وثمة الآن أكثر من 3 آلاف قضية قيد المحاكمة، ومن ضمنها ما يتعلّق بسربرنيتشا. لكن الأكثر مثيراً للقلق، هو أن عدداً من مرتكبي المذبحة فروا إلى صربيا، حيث وجدوا ملاذاً آمناً هناك، ومن بينهم قادة سياسيون وعسكريون. ومن المحبط بعمق، أن كثيراً من المتهمين بارتكاب المذبحة لم يواجهوا العدالة بعد. وقد شهدتُ الألم الذي يعانيه الناجون الذين عليهم أن يواجهوا الواقع، وهو أن بعض هؤلاء المتهمين بقتل أحبائهم ما زال بإمكانهم المشي في الشوارع بحرية.

ويفاقم هذا العبء عليهم، إنكار المذبحة وتمجيد جرائم الحرب، ما يصيب الناجين وعائلاتهم بمعاناة كبيرة. إن قادة في المنطقة أنكروا علانية هذه الإبادة، حتى إنهم اعتبروا سربرنيتشا بخديعة وكذبة. بل إن المجرمين الذين أدانتهم المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، غالباً يُنظر إليهم كأبطال، من شخصيات مشهورة، في حين أن معاناة الضحايا متجاهَلة ومنفيّة ومُتهاوَن فيها.

كمدعِّ جنائي دولي، لديّ رسالة بسيطة: إن استمرار التسامح مع إنكار الإبادة، بأيّ شكل من الأشكال، يساوي التخلّي عن ضحايا سربرنيتشا مرة أخرى، تماماً كما فعلنا قبل 25 سنة. لقد أمل المجتمع الدولي طويلاً في تجاوز هذه المسألة ببساطة. لكن هذا لم يحدث. علينا الاستماع إلى الضحايا وإلى الناجين. إن قصصهم تذكّرنا بجلاء كيف أن الاستقطاب والتمييز والكراهية يمكن أن تقسّم أو حتى تدمر مجتمعات لأجيال قادمة. لذلك، علينا التحدّث بصوت واحد، عندما تُنكر المذبحة، وعندما يمجّد المسؤولون عنها.

بعد العمل لأكثر من عقد مع الضحايا والناجين من الإبادة، فإنني أعتقد جازماً أن على المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية في جلب مجرمي الحرب ومرتكبي الإبادة إلى العدالة – ليس فقط ضحايا الإبادة في سربرنيتشا، بل كل ضحايا الانتهاكات الجماعية. وعلينا جميعاً أن نقوم بدورنا في الحفاظ على الحقيقة وتخليد ذكريات الضحايا. ندين بهذا إلى كلّ واحد منهم، ومنهم، ألمير، وصاقب، وأمين وفؤاد، الذين ما زالت عائلاتهم حتى اليوم، تنتظر دفنهم بسلام.

و المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة من كانون الثاني 2008 وإلى إنهاء ولاية المحكمة في كانون 2017. وكان قبل ذلك، رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري لمدة ستة أشهر، خلفاً للمحقق الألماني ديتليف ميليس.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



مآلات الانهيار

رضوان السيد

عن الحياد

د. مصطفى علوش

علامة شطب على لبنان

راجح الخوري

داء التعثر

سمير عطاالله



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...