Ayoub News


عربي ودولي


اليابان والشرق الأوسط.. آفاق ما بعد شينزو آبي

الأحد 13 أيلول 2020 - 0:06 1062

كتب (د. حبيب البدوي*)

لماذا سيفتقد العالم العربي لشخصية السيد شينزو آبي، كرؤية استراتيجية يابانية تجاه قضايا الشرق الأوسط؟

اليابان ليست ككياناتنا العربية المستحدثة، فهي عريقة بكل تفاصيلها، بما في ذلك طريقة إدارة سدة الحكم. وبذلك، فإن اليابان كأمة رائدة لن تتأثر برحيل السيد شينزو آبي أو غيره.

السؤال المطروح هاهنا: لماذا بعض المثقفين في العالم (وليس العرب فقط) مهتمين بهذا التغيير الداخلي الياباني؟ (والذي يعني الشعب الياباني فقط، وهو المليء بالكفاءات المهارية والشخصيات القيادية)  

الإجابة من ناحيتي، هي بالطبع أن اليابان لن تتأثر مطلقاً وستبقى ناهضة في خدمة شعبها. ولكن ... مع ضمان نجاح السياسات الداخلية والتي تخص الشعب الياباني وحده[1]، ما أضيء عليه هو السياسة الخارجية لليابان، والتي تقع ضمن نطاق  تخصصي في "الدراسات اليابانية" و"العلاقات الدولية"، وهذه الإشكالية بين الداخلي والخارجي هي ما تثير علامات الاستفهام والترقب.

فالرئيس شينزو آبي كان لديه كما أسلافه طموح الاستقرار الداخلي والرغد الاقتصادي وحفظ حقوق الأمة اليابانية في النزاعات الحدودية المتعدّدة (وذلك بقبضة حاسمة)، بخاصة أنه زعيم حزب الأغلبية التاريخي، ألا وهو الحزب الليبرالي الديمقراطي[2]. ولكن ما يعنينا هو مقاربته للسياسة الخارجية، وسعيه لعودة اليابان إلى الساحة الدولية، ومنها الشرق الأوسط، والذي لبنان أحد نقاطه الساخنة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن اليابان في عهد "آبي القوي" أعربت عن طموحها لأن تصبح عضواً دائماً في مجلس الأمن، وترشيحها للعضوية غير الدائمة لمجلس الأمن"[3].

تنفيذاً لهذا الطموح،زار الرئيس آبي منطقتنا ثلاث مرات، شملت الدول العربية (الامارات والسعودية وسلطنة عمان ومصر والاردن) وكذلك تركيا وايران، حيث قدَم نفسه وسيطاً بين الإيرانيين والحلفاء الغربيين بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، منعاً لأي نزاع غير متوقع يقع عند مضيق هرمز.

لذا، بالتأكيد سيصل لمنصب رئيس وزراء اليابان كفاءة ممتازة تدير الدفة الداخلية، ويبقى السؤال عن رؤيته الخارجية؟، وهل سيبقى المجال مفتوحاً ومعززاً مدعماً "لاستراتيجية المحيطين الهندي – الهادئ، منطقة حرة ومفتوحة"[4] في المنازلة مع "استراتيجية طريق الحرير"[5]، أو بتعبير أدق "مبادرة الحزام والطريق" الصينية؟ أم أن الإدارة الجديدة تفضل التقوقع الداخلي؟ تاركة الاستثمارات الصينية تسرح وتمرح في آسيا وافريقيا واوروبا، والأميريكيتين، الوسطى واللاتينية.

وبصفتي أكاديمياً، أطرح الموضوع من زاويتي التعليمية، لقد انبهر العالم العربي في حينه بزيارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إلى جامعة القاهرة[6]، وخطابه "البداية الجديدة"[7]. ولكن هل كان هناك نفس الاهتمام الإعلامي، رسمياً وشعبياً بخطاب رئيس الوزراء الياباني في جامعة الملك عبد العزيز السعودية؟[8]

ففي أوضح رسالة يابانية كانت موجهة لنخبة من المثقفين العرب (وليس للطبقة الحاكمة)، تحدث رئيس الوزراء آبي عن مد اليد اليابانية لجهد مشترك تكاملي وثيق بين بلاد الشمس المشرقة والعالمين العربي والإسلامي. ومن أبرز ما جاء فيه[9]:

1- الدعوة إلى التعاون الاقتصادي والتكامل الصناعي. اذ لم تعد اليابان تنظر الى الشرق الاوسط كمنبع للنفط والغاز فقط، بل تسعى لأن يمتد التعاون الى عدة مجالات زراعية وطبية وفي مجال الطاقة. إنها دعوة إلى تكامل اقتصادي- صناعي، يجمع ما بين الاستثمارات الخليجية واليد العاملة العربية، مع التكنولوجيا والخبرات اليابانية. فطوكيو تنظر إلى فتح افاق جديدة في مجال التعاون المتبادل في الطاقة والمياه وخاصة في الطاقة الشمسية، وطرق المحافظة على مصادر المياه والطاقة النووية، ومن ثم الوصول إلى تعاون زراعي ورعاية طبية عن طريق تقديم معدات واجهزة طبية ذات تقنية عالية.

2- التركيز على مبدأ التعايش بين مختلف الحضارات الإنسانية. وقد وصف السيد آبي الشرق الاوسط  "بالشاب" و"النامي". وأكد بأن اليابان تنظر اليه كمحطة جديدة نحو الانطلاق لتحسين اقتصادها الذي عانى الكثير من التراجع خلال العقد المنصرم. وقد أعطى السيد ابي أن مراكز الانطلاق نحو اقتصاد قوي هو التركيز على: السياسات النقدية، والسياسات المالية، واستراتيجيات النمو الاقتصادي لكي تعود اليابان "مرة أخرى دولة تمتلئ بالحيوية والنشاط وذلك بإطلاق هذه الأسهم بقوة وبسرعة وبدون توقف". مع التركيز على أن العالم لم يعد منقسماً كما كان سابقاً، دولة متقدمة تصدر وتبيع لدولة نامية تستورد وتشتري، بل يجب أن هنالك نوعاً من المصالح المشتركة في سبل إدارة الموارد الطبيعية.

3- التعاون الإقليمي ضمن الإطار الدولي هو المفتاح الثاني للاستراتيجية اليابانية في الشرق الاوسط. فطوكيو على يقين بأن الشرق الأوسط يشهد تحولاً تاريخياً مهماً من شمال أفريقيا حتى شبه الجزيرة العربية. ولا بد هنا من التعاون بين الجميع لإعادة هذه المنطقة المهمة إلى دائرة التكامل الاقتصادي الدولي، لما تحتويه من ثروات طبيعية وبشرية. وأكد الرئيس آبي أن اليابان وحدها لن تستطيع ان ترسي قواعد الاستقرار في هذه المنطقة من العالم، ولا بد من تعاون على مستوى إقليمي بين الثلاثة الكبار في المنطقة والمتمثلين بالمملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة والجمهورية التركية.

وهنا نلاحظ أن اليابان تسعى إلى إنشاء مركز تعاون إقليمي مشترك، تقوده ثلاث دول مهمة، وهي الإمارات كعملاق اقتصادي لا يستهان به، والسعودية كدولة إسلامية قطب ترعى الديار المقدسة، ولها وزنها المعتبر في الأمتين العربية والإسلامية، وتركيا الناهضة اقتصادياً واستراتيجياً في منطقة شرق المتوسط[10].

4- التسامح، فاليابان تتطلع إلى إعادة إحياء هذا الفكر التنويري الذي قامت عليه الحضارة الإسلامية منذ بزوغها. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الكوارث الطبيعية التي عصفت بالمنطقة ساهمت في مبدأ تعزيز التعاون والتسامح معاً.

هذه الاستراتيجية الواضحة الساعية لتوثيق التعاون العربي - الياباني في إطار انفتاح السياسة الخارجية اليابانية على العالم، قد لا تجد من يستمر ويستثمر بها في منصب رئاسة الوزراء اليابانية الجديد، وقد تعود سياسة الإنغلاق للتركيز على حلّ المعضلات الداخلية دون الإلتفات لضجيج العالم الخارجي. قد يكون ذلك أفضل لليابان محلياً (وأفضلية للتوسع الصيني عالمياً).

*متخصص بالدراسات اليابانية والعلاقات الدولية


[1] لا يمكنني أن أكون رئيساً للوزراء إذا لم أستطع اتخاذ أفضل القرارات للشعب

Japan's longest-serving prime minister Shinzo Abe resigns due to ill health

https://www.youtube.com/watch?v=NYrTXHfu15g&feature=youtu.be

[2] Liberal Democratic Party of Japan

https://www.jimin.jp/english/

[3] An Argument for Japan's Becoming Permanent Member

https://www.mofa.go.jp/policy/q_a/faq5.html

[4] Freeand Open Indo-Pacific Strategy” (FOIP)

اليابان ودبلوماسية القوة الناعمة: إستراتيجية المحيطين الهندي – الهادئ، منطقة حرة ومفتوحة

https://kfcris.com/ar/view/post/196

[5] The Belt and Road Initiative

http://english.www.gov.cn/beltAndRoad/

[6] Sharma, Lok. (2019). Discerning Rhetorical Techniques in Barack Obama’s Speech “A New Beginning”. History Research Journal. 5. 56-80. 10.26643/hrj.v5i5.7918.

[8] رئيس الوزراء الياباني يحاضر بالجامعة ويشيد بالتعاون العلمي والتعليمي بين البلدين

https://www.kau.edu.sa/Pages-%D9%8A%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%B1%D8%A1%D9%8A%D8%B3.aspx

[9] "Japan's Ties with the Middle East in a New Age of Synergy, Mutual Prosperity, and Cooperation", Policy Speech by Prime Minister Shinzo Abe

https://japan.kantei.go.jp/96_abe/statement/201305/01speech_e.html

[10] ومن هنا شملت الزيارة القوى الاقليمية الكبرى الثلاث

http://www.alriyadh.com/830565



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



تجرّعْ وحدَك!

رضوان السيد

إيران

محمد الرميحي

لبنان قبل الجحيم

راجح الخوري



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...