Ayoub News


عربي ودولي


أثيوبيا وسياسة الهيمنة المائية

الأربعاء 3 حزيران 2020 - 0:33 1132

كتب (الدكتور محمد نصر الدين علاّم)

كتب الدكتور محمد نصر الدين علاّم وزير الموارد المائية والرّي الأسبق وأستاذ الموارد المائية بكلية الهندسة في جامعة القاهرة مقالاً تحت عنوان "أثيوبيا وسياسة الهيمنة المائية" جاء فيه:

تقوم السياسة الأثيوبية لاستغلال مياه الأنهار (المشتركة) التي تنبع من أراضيها، على مبدأ الهيمنة والسيطرة التامة، وتدير النهر كأنها المالك الوحيد له. وهناك أسئلة عديدة على هذا السلوك غير التعاوني في عدة أحواض أنهار (مشتركة) تنبع من الهضبة الأثيوبية. المثال الأول لروافد نهر النيل، فقد قامت أثيوبيا ببناء سدود ولم تقم بإخطار الدول المشاركة معها في النهر قبل الإنشاءات، وبالمثل لن تخطر أثيوبيا دول الحوض عن عشرات الاستثمارات الأجنبية الزراعية الواقعة على الروافد الرئيسية لنهر النيل بالرغم من استنزافها مليارات كثيرة من الأمتار المكعبة من مياه الأنهار. وإعلان أثيوبيا منفردة ببدء ملء خزان سد النهضة هذا الصيف بالرغم من عدم التوصل إلى اتفاقية لملء وتشغيل السد مع دولتيّ المصب، وعدم موافقة الدولتين على بدء النخزين. وهذا السلوك لا ينحصر فقط على حوض نهر النيل، بل تمارسه أثيوبيا في معظم الأنهار المشتركة التي تنبع من أراضيها. ومثال على ذلك نهري جوبا وشابيل المشتركين مع الصومال وكينيا. هذان النهران هما أساس التنمية الزراعية في جنوب الصومال في مساحة تزيد عن نصف مليون فدان، وتخدمها 10 قناطر للري وسد تخزين كان قد تم انشائهم في الستينات من القرن الماضي. وكانت الصومال قد تقدمت بطلب الى البنك الدولي لتمويل تكاليف إنشاء سداً على نهر جوبا عام 1985 لتنظيم وتطوير الزراعات القائمة عليه. وأخطر البنك الدولي أثيوبيا وكينيا للموافقة على السد قبل تمويله ورفضت أثيوبيا اقامة السد، وبعدها بقليل وبدون اخطار مسبق قامت أثيوبيا عام 1988 ببناء سداً على نفس النهر بسعة حوالي مليار متر مكعب لري مساحة 40 ألف فدان ولتوليد150ميجاوات من الكهرباء. وفي تصرف منفرد آخر، قامت أثيوبيا باقتتاح سداً جديداً هذا العام على رافد لنهر جوبا بسعة 2.5 مليار متر مكعب ولتوليد 250 ميجاوات من الكهرباء مستهلكة معظم مياه هذا النهر التي تعتمد عليه الصومال في ري أراضيها. فأثيوبيا دوماً تبحث عن السيطرة والهيمنة تحت مسمى السيادة الوطنية ومستغلة ظروف الدول المجاورة واستغلال مواردهم. وبالنسبة للموارد المائية المشتركة، تتغاضى أثيوبيا عن تطبيق مبدأ القانوني الدولي "الإخطار المسبق"، ولكنها تتمسك بمبدأ "الاستخدام العادل والمنصف للمياه المشتركة" اذا كان يتماشى مع مصالحها المائية.

ومثال آخر على هذا السلوك (الطبع السياسي) الأثيوبي هو طريقة تعاملها وإدارتها لحوض نهر أومو المشترك مع كينيا. فقد قامت أثيوبيا وحدها بإعداد مخطط لإنشاء 5 سدود على هذا النهر بإسم سلسلة سدود جيبي، وانتهت أثيوبيا من بناء سد جيبي الأول بسعة كهربية 184 ميجاوات، وسد جيبي الثاني بسعة كهربية 420 ميجاوات، وسد جيبي الثالث بسعة كهربية 1870 ميجاوات، وسعة مائية 14 مليار متر مكعب، وبارتفاع 243 متراً وهو الأعلى في أفريقيا، ويعادل عمارة من 81 دوراً، وقد أدى السد الأخير الى تهجيرحوالي 300 ألف من المواطنين الاثيوبيين من اراضيهم نتيجة قيام الحكومة بزراعة 700 ألف فدان بقصب السكر، وانشاء 6 مصانع للانتاج هناك. وهذا السد أيضاً له آثاراً بالغة على عدد كبير من مواطني كينيا، فنهر أومو يصب في كينيا في أكبر وأشهر بحيرة صحراوية في العالم وهي بحيرة توركانا، والتي يعيش حولها حوالي 250 ألفاً من مواطني كينيا على أنشطة الصيد الزراعة. وسد جيبي الثالث سيخفض منسوب البحيرة بحوالي 10 أمتار، وبما يقضي على النشاط الزراعي والصيد للسكان ويهدد حياة الحيوانات والطيور البرية التي تعيش عليها. وامتنع كل من البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي عن تمويل هذا السد، فقامت أثيوبيا بتدبير تمويلاً صينياً لاستكمال السد.

أثيوبيا لم تتوقف محاولاتها لاستغلال أقصى كميات متاحة من مياه النيل الأزرق، بدءاً بمخطط السدود الأمريكية على النيل الأزرق الذي أعده مكتب الاستصلاح الأميركي عام 1964، وتلاها محاولات أثيوبية مستمرة لتشييد بعضاً من هذه السدود المقترحة على النيل الأزؤق. وهناك مبادرة حوض النيل في 1997، والتي من خلالها أصرت أثيوبيا على التوصل الى اتفاقية إطارية لتنظيم استغلال مياه حوض النيل لصالح دوله، وانتهت المبادرة بما يسمى اتفاقية عنتيبي، والتي لم توافق عليها كل من مصر والسودان والكونغو. وهناك عدة أسباب لرفض مصر هذه الاتفاقية لاصرار اثيوبيا عليها وعدد من دول المنبع في وضع معايير الاستخدام العادل والمنصف للمياه. في أثيوبيا مثلاً تبلغ كميات الأمطار حوالي 1000 مليار متر مكعب سنوياً، أي حوالي 20 ضعفاً لحصة مصر من مياه النيل، ومع هذا ترفض أثيوبيا أن تعتبرها مصدراً للمياه، بالرغم من أنّ هذه الأمطار تقوم عليها الغابات والحيوانات البرية والثروة الحيوانية ونعظم الزراعات القائمة. ومن أسباب رفض مصر اتفاقية عنتيبي أيضاً هو تنصل دول المنبع وخاصة أثيوبيا، من مبدأ الأخطار الميبق، وأيضاً لرفضهم جميع الاتفاقيات الدولية السابقة والخاصة بتقسيم المياه معتبرة إياها اتفاقيات استعمارية.

وبعد رفض مصر توقيع اتفاقية عنتيبي تحول الهدف الأثيوبي إلى ترقب الفرصة المناسبة لإجبار مصر على الموافقة على عنتيبي وتقسيم مياه نهر النيل مع دول الحوض وبشروط دول المنبع وجاءت الفرصة ممثلة في ثورة يناير المصرية وانقسام الشارع المصري وغياب الأمن والتدهور الاقتصادي، فبدأت أثيوبيا على الفور اقامة سد النهضة في تلك المواقع الحدودية مع السودان وبهذه السعة الضخمة لكي تحاول حجب أقصى كمية مياه من النيل الأزرق قبل وصولها لمصر والسودان. وخططت أثيوبيا انشاء 3 سدود أخرى على النيل الأزرق، لتكون سعة السدود أكبر من 150 مليار متر مكعب، حتى تستطيع التحكم الكامل في النيل الأزرق، لكي تتمكن من اعادة تقسيم مياه النيل الأزرق. وهذه الحقائق تظهر بجلاء في التصريحات الأثيوبية الحالية حول التفاض بشأن سد النهضة وضرورة موافقة مصر على عنتيبي لاعادة تقسيم الحصص المائية حتى يتم الاتفاق حول سياسة تشغيل سد النهضة. والسؤال الموجه لأثيوبيا، هل حان الوقت لنترك أحلام الهيمنة خلفنا، ونتطلع الى أحلام للسلام والتنمية لشعبينا!!



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



لقاء القصر

رضوان السيد

يوم الدين

فادي عبود

قصة كتابين وكاتب

سمير عطا الله

جهلاً أم تجاهلاً؟

د. مصطفى علوش



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...