Ayoub News


خاص أيوب


محظوظ من له قبر ببيروت!

الجمعه 14 شباط 2020 - 0:42 4695

كتب (هشام عليوان)

لا تنتهي الأعاجيب في بيروت، وخاصة في جمعية المقاصد. قرار صادم، يليه توضيح، فتوضيح التوضيح، وتنتهي المسألة كأنها لم تكن. فالقرار قديم من أيام الداعوق، ولم يخترعه سنو. وما حدث هو أن القرار وجد طريقه إلى التنفيذ. هكذا ما أشاعه فريق العمل المحيط برئيس الجمعية فيصل سنو، بعد الضجة التي أثارها قرار توحيد تعرفة دفن الميت في المقابر التي تديرها الجمعية، فأصبحت ثلاثة ملايين وتسعمائة ألف ليرة، إن كان لآل الميت قبر قديم، بعدما أن كانت التعرفة متدرجة ابتداء من مليون وستمائة ألف ليرة كحدّ أدنى، وترتفع بحسب الخدمات الإضافية لزوم الوجاهة، نوع السيارة مثلاً، وخلاف ذلك، فيما الموت لا يفرّق بين غني وفقير، وسواء حملته سيارة أميركية موديل التسعينيات، أو سيارة أوروبية أو يابانية فاخرة من موديل القرن الحالي، فالنتيجة واحدة.

مبرّرات القرار أسوأ من القرار نفسه، وهو من نوع الإخفاق الذريع في التعامل مع الرأي العام في ظلّ القيادة الحالية. فكلما رفعت الجمعية القسط المدرسي في مدرسة تابعة لها، كان التبرير جاهزاً وهو أن الجمعية تعاني من العجز المزمن بين الواردات والنفقات، وأن لا تبرعات ممكنة أو كافية لحلّ الأزمة، وبما أن الجمعية تمنح أعداداً محددة من الطلاب تعليماً مجانياً أو مخفضاً، فإن رفع الأقساط عامة والتي يدفعها المقتدرون الأغنياء من شأنه أن يوازن بين هذه وتلك. لكن هذه المنهجية المحاسبية المجردة، لا تراعي كرامات الناس ولا طبقاتهم المختلفة، فالجمعية بطبيعة الحال لا تعطي كل الطلاب العاجزين عن دفع الأقساط المرتفعة، مِنحاً أو تخفيضات، وإلا ما فائدة رفع الأقساط؟ فتكون النتيجة أن شريحة متوسطة من الأهالي ستعجز عن الدفع، ويهجر أبناؤها المقاصد، فتبقى مدارسها للأغنياء القادرين بعد توفير مستلزمات الراحة والجاذبية لهم (عطلة يوم السبت، التوأمة مع مؤسسات أجنبية لتأمين مستوى عالٍ من إتقان اللغة الأجنبية) ولبعض الفقراء المحظوظين الذين تصدّقوا عليهم بمقعد دراسي، ولا عزاء للطبقة المتوسطة.

بالمنهج نفسه، برّر محامو الدفاع عن سنو، بشأن قرار توحيد تعرفة الدفن في مقابر المقاصد. أولاً، لم يتغيّر شيء بحسب تأكيدهم. وثانياً، إن التعرفة الموحدة هي للأغنياء المقتدرين. والجمعية تدفن أحياناً موتى الفقراء بالمجان، وأحياناً أخرى بأقل من مليون ليرة. وثالثاً، إن للمدافن موظفين وعلى الجمعية أن تؤمن لهم الرواتب.

في تفنيد الحجج المستجلَبة على عجل لتدارك الغضب. أولاً، إن كانت مستويات مراسم الدفن قد ألغيت وباتت موحدة، فمعنى ذلك أن أمراً مهماً قد تغيّر. ثانياً، إن ما تغيّر أن الجمعية باتت تعتبر كل الموتى أغنياء حتى يثبتوا العكس، وبدلاً من أن يختار آل الميت الدرجة المحدّدة من نفقات الدفن (عادي، أو متوسط، أو عالي المستوى)، فعلى المتعسّر من الأهالي أن يدقّ الأبواب ويريق ماء وجهه، ويعلن إفلاسه وقلة ذات اليد، كي يحصل على تخفيض! ثالثاً، لم تكن المدافن سابقاً من المؤسسات المقاصدية المصابة بالعجز المالي، بل هي من المؤسسات الرابحة. أما بالنسبة إلى موظفي المدافن والعاملين فيها، فما يتلقونه من أهالي الميت المنكوبين والمفجوعين يتجاوز أكثر بكثير رواتبهم المحدودة، وهذا ما يعرفه كل من دفن عزيزاً له، دون الحاجة إلى مزيد كلام.

مشكورة جمعية المقاصد في كل الأحوال، إن كانت تدفن بعض الفقراء مجاناً، أو بتخفيضات كبيرة، لكن الواقع أيضاً أن عدداً متزايداً من البيارتة بات يلجأ إلى دفن موتاهم مجاناً خارج بيروت، في القرى القريبة والبعيدة. بالأمس هجّروا البيارتة الأحياء بسياساتهم العقارية المتوحشة، وجاء الآن دور الأموات!



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



اغتيال لبنان

زياد سامي عيتاني

رفقًا بالبلاد والعباد

رئيس تحرير "الجُرنال"

الحريري لن يغفر لكم

زياد سامي عيتاني

الأحداث الحاسمة

رضوان السيد



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...