Ayoub News


خاص أيوب


ليلى والذئب...

الخميس 9 تموز 2020 - 0:02 2983

كتب (هشام عليوان)

"الساحر" مسلسل رمضاني عُرض مبتوراً أيار الماضي، بعدما دهمته "كورونا". فلم يتسنّ للناقد تقييمه فنياً ولا للمشاهد استيعاب رسالته. وكان لـ عابد فهد، الممثل السوري، في دوره الجديد، أن يكون مثار اهتمام آخر، لا لبراعته هذه المرة، لكن لتقمّصه شخصية اجتماعية لها أدوار خطيرة في حياتنا، وفي تشكيل الرأي العام من باب قراءة الغيب. خلاصة الفكرة، أن "مينا" السوري الساكن في لبنان بلا إقامة قانونية، ينتقل بالمصادفة من منسق موسيقى "دي جي" في ملهى ليلي، إلى "مبصّر". الهدف من المهنة الجديدة، كشف هوية الصديقة التي تخون امرأة ثرية في زوجها، من طريق تزويده بمعلومات دقيقة عن أحوال تلك النسوة وعائلاتهن. يدخل مينا إلى البيوت، ويدّعي قراءة المستقبل لهنّ. تطوّرت الفكرة، بعدما التقط رئيس حزب نافذ هذه الفرصة، فاستدعى مينا، وعرض عليه ما لا يُردّ، أن يقرأ الغيب هذه المرة للأُمّة، مزوّداً إياه بمعلومات وأسرار. الهدف طبعاً، ليس كشف الخونة، بل استغباء الناس، وتشكيل آرائهم كما يريد السياسي.

فكرة المسلسل تستحق الوقوف عندها، ولا يصعب إسقاطها على الواقع، مع انتشار المنجّمين في الشاشات اللبنانية، حتى باتوا مكان المحلّلين، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفنياً. يتوقّعون كلّ شيء، لكن بأسلوب البرقيات المستعجلة، وبألفاظ عمومية تتسع لاحتمالات شتى، حتى يمكن للقناة التي استأجرتهم لتلك الليلة، أن تزعم لاحقاً أن المنجّم قد أصاب في هذه المسألة وتلك، فتراكم منسوب الثقة بكلامه يوماً بعد يوم، وعاماً بعد آخر. والناس كلها تردّد: "كذب المنجمّون ولو صدقوا"، لكنهم يصدّقونهم، أو يرغبون في أن يصدّقوهم، لا لشيء إلا لأن من يشغل هذه الكرسي، يتكلّم بما يرغب فيه المشاهد أن يسمعه، أو يتوقّعه، أو يخشى منه. وبكلام آخر، ما يريد أحدهم أن يروّجه بين الناس، كما حاول فادي إبراهيم الممثّل، في "الساحر" بهدف تعزيز اتجاهات معيّنة وتهميش أخرى. وكما في كل القطاعات، بات لكلّ معسكر سياسي في لبنان منجّمه المفضّل، يردّ على "غيب" بـ"غيب" مضادّ..

لنأخذ ليلى عبد اللطيف مثالاً. توقعاتها لعام 2020، على قناة أل بي سي، مع المقدّم هشام حدّاد، لا تتجاوز أن تكون تحليلات سياسية عادية تخيب وتصيب، في قسم منها. لكن القسم الآخر، يندرج في خانة الفضيحة إن كان تنجيماً، أو هو تفكير رغبوي بما تتمنى حصوله جهة نافذة. فعن الثورة ومآلاتها، قالت إن "جماهير الثورة السلمية هي التي سترسم المستقبل، وستبني لبنان الجديد. والحراك الشعبي المتعدّد والجريء، سيُحقّق على الأرض ما لم تُحقّقه الحروب والزعامات، وستحقق المزيد من الانتصارات والأهداف الوطنية". أين هذه الانتصارات؟ وعن النفط في لبنان، قالت: "بلوك 9 سيكون عنوانه المبيع قبل التنقيب، أي أنّ بعض الدول ستمدّ لبنان بالأموال مقابل أخذ الغاز والنفط بعد انتهاء عملية التنقيب. ولبنان يدخل مرحلة التفاوض الجدي لاستخراج الغاز والنفط.". فأين النفط وقد أخفق بلوك 9؟ وعن النازحين السوريين قالت: "عدد كبير جداً من النازحين السوريين وغير السوريين سيغادرون لبنان ويعودون إلى سوريا بشكل متسارع". فهل نرى الآن إلا ضياعاً، أيعودون إلى سوريا هرباً من الليرة اللبنانية أم يهربون من "قيصر" في سوريا؟.

وبلغ التوظيف السياسي للتنجيم قبل أيام (24/6)، في لحظة فاصلة، عشية اللقاء الوطني في بعبدا (25/6). فهذا اللقاء قاطعه رؤساء الحكومات السابقون، وبعض الزعامات، وكان يعاني من خلل بنيوي، وهو يهدف إلى التبديل الاستراتيجي لعلاقات لبنان الخارجية، أي تفضيل محور الشرق، أو محور الممانعة. فجيء بليلى في قناة الجديد، كي تؤدّي دورها المرسوم، أمام المقدّم نيشان، ليس فقط لتعزيز اتجاهات رأي وتهميش أخرى، بل للتهويل على الناس وربما على الزعامات، بانهيار الليرة إلى حدود 15 ألف ليرة، (كما روّجت القناة في موقعها) وعدوان إسرائيلي وشيك في تموز، وللتبشير برفع شارات النصر على جانبي الحدود السورية اللبنانية، بعد التغلّب على قانون قيصر. واستعجالاً لوفود صينية وروسية، لتقديم شتى أنواع الدعم، المالي والتقني. وللتأكيد على حتمية عودة الرئيس سعد الحريري، بعد أن كان اسم نواف سلام وارداً معه في توقعاتها لمجمل هذا العام. و"رأت" ليلى، لأنها ترى كما تزعم ولا تقرأ، أن الرئيس بشار الأسد وقد فُتحت له أبواب العواصم، لا سيما تطبيع العلاقات مع أميركا. هذا كله، وقانون قيصر لما يطبّق بعد. وفي هذا السياق، يندرج كثير من الكلام الذي لا رباط له، ونيشان يتفاعل وينفعل، تأكيداً لموثوقية ليلى المسكينة!

هذا الكلام ليس للتسلية، وخاصة في هذه الظروف، ويخضع للمادة 319 من قانون العقوبات التي تنص على ما يلي:

"من أذاع بإحدى الوسائل المذكورة في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة الـ 209 وقائع ملفقة أو مزاعم كاذبة لإحداث التدنّي في أوراق النقد الوطنية أو لزعزعة الثقة في متانة نقد الدولة وسنداتها وجميع الأسناد ذات العلاقة بالثقة المالية العامة يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من خمسماية ألف ليرة إلى مليوني ليرة، ويمكن فضلاً عن ذلك أن يقضى بنشر الحكم".

أما الفقرتان المشار إليهما فيما يتعلّق وسائل نشر المزاعم، فهما:

- الكلام أو الصراخ سواء جهر بهما أو نقلاً بالوسائل الآلية بحيث يسمعهما في كلا الحالين من لا دخل له بالفعل.

- الكتابة والرسوم والصور اليدوية والشمسية والأفلام والشارات والتصاوير على اختلافها إذا عرضت في محل عام أو مكان مباح للجمهور أو معرض للأنظار أو بيعت أو عُرضت للبيع أو وزّعت على شخص أو أكثر.

ومن المؤكد أن "التوقعات" المتلفزة، والتي تُحدث تدنّياً في سعر الليرة، تندرج في مضمون المادتين 319 و209. ومن المثير للسخرية، أن الباحث الاقتصادي توفيق كسبار، عندما نشر دراسته الأكاديمية بجريدة الأخبار على حلقتين في 4 و5 أيلول عام 2017، وفيها "تنبّأ" علمياً بانهيار الليرة وأن المصارف في خطر، طالب بعضهم بإحالته إلى النيابة العامة الجزائية بتهمة النيل من هيبة الدولة، مع الإلماح إلى مؤامرة خارجية على الاقتصاد الوطني، والدراسة صادرة عن "بيت المستقبل" ومُموّلة من قبل مؤسسة "كونراد آديناور"، وهي بعنوان: "الأزمة المالية في لبنان"، وتحمل الرقم 12 في سلسلة أوراق سياسية (آب/2017). وتبيّن أخيراً أن أن تحذير كسبار كان في مكانه، فيما لم يكن لدراسته أيّ أثر يُذكر على اعتقاد الناس بسلامة الليرة. وهذا بخلاف الأثر الضارّ لمزاعم ليلى، في وسيلة إعلامية واسعة الانتشار.

في الأقل، أين المجلس الوطني للإعلام بإزاء هذا النيل من هيبة الليرة، بل التهويل بعدوان إسرائيلي، يتسبّب بمزيد من الهلع بين الناس، والتهافت المتفاقم على شراء المواد الأساسية وتخزين الدولار في المنازل؟  

اقرأ للكاتب أيضاً:: توقعات لبنان 2020



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



مآلات الانهيار

رضوان السيد

عن الحياد

د. مصطفى علوش

علامة شطب على لبنان

راجح الخوري

داء التعثر

سمير عطاالله



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...