Ayoub News


خاص أيوب


فيليب سالم: من نحن وما هي ميزة لبنان

الثلاثاء 26 أيار 2020 - 0:05 2896

كتبت (الدكتورة روان باسيل)

إذ نحا البروفسور فيليب سالم "نحو قومية جديدة" (عنوان افتتاحيته في "النهار"، 13 حزيران 2019) أدرك أن المئوية الثانية لإعلان دولة لبنان الكبير في 1 ايلول 1920، أدركتنا، فماذا أعددنا لها فكرياً وسياسياً؟ وهل لبنان قادر على الاستمرار بأدبيات فكرية نشأ عليها قبل قرن، وتفاعلت عواملها قبل قرنين؟ أليس علينا تجديد خطابنا ونظامنا السياسي، بل أكثر، تجديد فكرنا الذي بني عليه الكيان اللبناني؟ وما العظات التي اتعظنا بها لتصحيح الخلل ومعالجة العلل التي أوصلتنا الى ما لا تحمد عقباه؟

حين إعلان دولة لبنان الكبير وصفها البعض بأنها "صنيعة الاستعمار"، لكنه صار مقتنعاً بأنه كيان واجب الوجود وليس مصطنعاً، وبأنه تجربة سياسية اجتماعية تستحق الحياة، لأنّ جذوتها فيه ليست محدثة، بل قديمة، وليس سطحية، بل عميقة في تربة الشرق.

بعد مئة سنة من إعلان الكيان صار قبلة العالم، بتجربة فريدة لا ندري أوضعت آنذاك، عن وعي وإدراك بنتائجها، أو وضعت لغايات ومصالح، أولأهداف مبيّتة، كما يفترض البعض، أو جاءت بالمصادفة مولوداًهجيناً، نما في مئة عام فهرم، لكنه صار أمثولة يمكن أن تحتذى، فتستنسخ بعد ان تقوّى بفكر قومي جديد.

صيغة لبنان غير المكتوبة وميثاقه الذي يختلف على تفسيره، صمدا أكثر مما تصمد المعاهدات المكتوبة، لأنّ اللبنانيين ارتضوهما عقداً اجتماعياً سياسياً ينظّم حياتهم، فكيف نحافظ عليهما، أبعقد جديد، أم بتأهيل العقد القائم بما يجعله صالحاً للمستقبل؟

كانت ميزة لبنان التاريخية أنه صار ملجأ للشعوب المضطهدة والجماعات الدينية والمذهبية والإتنية التي أُصلتت على رقابها السيوف في شرق استخدم العنف والقتل سبيلاً إلى السلطة والحكم، من جبال الأناضول إلى شطآن العرب وخلجانها، فما وجدت إلّا جبال لبنان حامية من الجور والظلم والاضطهاد فلجأت اليه، فتكوّن "موزاييك" لبنان وتعدّديته التي هي مفخرته. تسامح لبنان أثقل عليه في السنوات الأخيرة، وفرادته جلبت عليه الأثقال والهموم، فنَاء تحت حمل ثقيل تمثّل بالنازحين السوريين الذين قارب عددهم نصف عدد سكانه، بعدما تحمّل اللاجئين الفلسطينيين قبل 70 سنة عقب استقلاله. كفى هذا الوطن، فقد امتلأ بالنازحين واللاجئين حتى التخمة، وعدم القدرة على مزيد من الاستيعاب، وهذا في حدّ ذاته يستدعي النقاش في قومية لبنانية جديدة.

مئات السنوات عبرت بين لبنان الملجأ ولبنان الرسالة، تقلّبت فيها معاني لبنان ودوره، منذ ذكرته النصوص الدينية والتاريخية القديمة حتى تحدّث عنه البطريرك أسطفانس الدويهي في كتابه "تاريخ الأزمنة". وتدرّج معنى لبنان خلال سنوات طويلة من السيطرة العثمانية التي استمرت أربعمئة سنة. ومطلع القرن السابع عشر حاول فخر الدين المعني الثاني تظهيراستقلال جبل لبنان، لكن الدسائس والمؤامرات قضت عليه وعلى مشروعه. واستمرت الفكرة بتكوين كيان جبل لبنان الطبيعي والاجتماعي حتى القرن التاسع عشر، حين صارت اللغة العربية هي العامل الجامع للعرب، ولا سيما المسيحيين. وفي منتصفه، أصدر هؤلاء الصحف في بيروت والقاهرة وإسطنبول نتيجة انتشار التعليم في جبل لبنان، فكانت الصحافة أداة الوعي السياسي الأولى في تلك المرحلة.

من نحن؟ ماهي ميزة لبنان؟

مطلع القرن العشرين وقبيل سقوط السلطنة العثمانية تساءل اللبنانيون: من نحن؟ وحاولوا الإجابة عن هذا السؤال لإعطاء لبنان الذين يحلمون به معنى. وبعد إعلان دولة لبنان اتخذت الإجابات عن هذا السؤال وجهة تبرير الكيان الناشئ وضرورته الوجودية والمعاني التي يختزنها وجوده، واستمرت الإجابات إلى ما بعد الاستقلال. وتردّد السؤال بقوة قبيل الحرب عام 1975 وفي أثنائها بتأثير الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والاستهداف الدولي للبنان، الذي غلّف بالصراع الطائفي، وأُعيد طرح هوية لبنان ودوره ومعنى وجوده حتى أتى مؤتمرالطائف فحسم الإجابات في ما يتعلّق بالوطن النهائي وبنظامه السياسي. ثم جاء البابا يوحنا بولس الثاني فحسم معناه ودوره، إنه رسالة إلى العالم.

لم تُستنفد معاني لبنان، وها هو فيليب سالم يخلق للبنان معاني جديدة لوجوده واستمراره، ويجيب عن سؤال: ماذا نريد؟ ونحن على عتبة القرن الثاني للكيان اللبناني، على الجميع الإجابة عن السؤال، كي نكون قادرين على الإجابة عن سؤال: ما هو مصيرنا؟

بنى فيليب سالم عمارته القومية على رسالة لبنان ومعناه، رسالته الحضارية التي طوّعت صراع الحضارات باستخدام العقل والحوار، فصار أنموذجاً فريداً في نظامه السياسي الذي جمع طرفي العالم المسيحي والإسلامي، الشرقي والغربي، على غصن زيتون، والخلافات الحادثة لا تزعزع قاعدته الصلبة القائمة على الرسالة التي تؤكد أنموذجيته، لأنها تضفي عليه دينامية الحوار والتجدّد. والخلافات مشروعة في الأسرة الواحدة والبيت الواحد، كانت وستبقى، لكنها لا تفقده معناه، ما لم تصل الى الاقتتال، وهذا ما يجب أن يتعظ به اللبنانيون من حربهم السابقة التي يقولون فيها "تنذكر وما تنعاد".

من أين تبدأ المحافظة على لبنان للمستقبل البعيد؟

نبدأ من حيث بدأ الأولون، تحديد هوية لبنان، إنه الرسالة والرمز والمعنى وليس أرضاً وشعباً ومؤسسات فقط. إنه وطن نهائي ضمن جغرافيا محدّدة لجميع مواطنيه، وهو الرسالة بتعدّديته الثقافية الحضارية، متمثّلة بانصهار مسيحيين ومسلمين، تتجسّد بأنموذجه الذي يتخطّى دول العالم ذات المعاني وما تختزنه من تطلّعات عالمية، بأن لبنان معنى المعاني، برمزيته التاريخية وتراثه وعنفوانه وكرامته.

ويحسم الولاء المطلق للبنان، فقد كان المفهوم الخاطئ للولاء لبّ المشكلة في نصف القرن الماضي، "إذ كان مقبولاً أن يكون الولاء لسوريا أو لفلسطين أو لمصر أو لأيّ دولة عربية أولاً، وأن يكون للبنان ثانياً. وهذا ما قضى على لبنان". على الأجيال من الآن فصاعداً ان تعلن ولاءها الكامل للبنان دون غيره، والانتماء إلى أرضه والانخراط في صنع مستقبله، لأن "السياسة هي ممارسة شعب  بكامله صنع مستقبله، وواجب وطني يقوم به المواطن كلّ يوم لتحديد معنى الوطن وهويته".

حسم دستور الطائف عام 1990 أن الكيان اللبناني "وطن نهائي لجميع أبنائه"، بعدما حسّن انتماءه العربي، فصار عربياً خالصاً بعدما كان "ذا وجه عربي"، لكنه بقي ذا ثقافتين. يقول سالم: "إن لبناننا ليس ذاك اللبنان الذي له "وجه عربي". نريد لبنان عربياً من رأسه إلى أخمص قدميه، ولكننا نريده قائداً للعروبة وليس ذيلاً لها".

طالما تغلّبت النزعة اللبنانية على تفكير سالم منذ كان صغيراً، لذلك أعطى لبنان حيّزاً واسعاً وأولَ في كتاباته، وهو يقول "لم يكن مجده (لبنان) نابعاً من كيانه السياسي. كان دائما نابعاً من كيانه الحضاري. من كونه مساحة للحضارة. من كونه "أكبر من وطن"، من كونه رسالة للعالم. فالخطر اليوم يهدد جوهر لبنان وحقيقته. يهدّد معناه الكياني".

كيف يتهدّد معنى لبنان الكياني؟

لا أحد يشك في أنّ خطراً حقيقياً يواجه المسيحيين في المشرق وقد ظهرت طلائعه ولمسنا نتائجه في العراق وسوريا، فأين هم المسيحيون فيهما؟ وإلامَ آل مصيرهم؟ أما في فلسطين مهد المسيح والمسيحية، فأين هم المسيحيون؟ وما هو مصيرهم في لبنان؟  إنّ الخطر الذي يتهدّد المسيحيين يتهدّد اللبنانيين جميعاً، كما لبنان.

إن اللبنانيين يواجهون خطراً حقيقياً يجعل إثبات الرسالة وتحقيقها مهمة كبيرة تثقل كاهلهم، لكن الاقتدار على الخطر يعمّق معنى لبنان ويعلي رسالته. أما حالياً، فالرسالة الأولى الدفاع عن لبنان كي يبقى.

يعي سالم الأخطار، لذلك وضع رؤية لحلول ممكنة، تبدأ باتفاق اللبنانيين على هوية لبنان، والارتضاء بمقدّمة الطائف وتطبيقها بحذافيرها. ففيها كلّ ما يقنعهم ويلبّي طموحاتهم، خصوصاً بحسم عروبة لبنان ونهائيته وطناً لجميع مجموعاته الطائفية، مروراً بتأكيد كلّ الطوائف والأطراف الانتماء للبنان والولاء له.

لا تنمو حضارة الشرق في صراع الحضارات، بل في وئامها، وهو دورها ورسالتها بدءاً بـ "لبنان الرسالة". في العالم كله أوطان، إنما فيه رسالة واحدة، هي لبنان بمعناه ومبناه، إنه أنموذج لحضارة شرقية تنتشر في العالم منذ التاريخ السحيق كحمامة نوح على أحد جانحيها رسالة المحبة والتسامح والغفران، وعلى الآخر رسالة الحرية والتعدّدية والديموقراطية. إن لبنان ليس صورة عن الرسالة ولا انعكاساً ولا ناقلاً لها، ولا أحد ممثّليها ولا مترجميها ولا... إنه صانع الرسالة.

يذكّرنا كلام سالم، في مقالته، وفي كتاباته، خصوصاً كتابه "رسالة لبنان ومعناه"، بكبار المفكرين المسيحيين في المشرق الذي أبدعوا أفكار القوميتين العربية والسورية، والذين كانوا طليعيين قادوا الفكر الخالص والادبيات الحزبية إلى التحرر والاستقلال والتقدم من قسطنطين زريق إلى إدمون رباط الى ميشال عفلق في القومية العربية، ومن المطران دبس والأب لامنس إلى خليل وأنطون سعادة في القومية السورية. وكثر لا مجال لتعدادهم في القومية اللبنانية التي انطوى الكلام عليها ما بعد الطائف، لكن ينبغي معاودته لتتويج قرن مقبل على الكيان اللبناني بإكليل من غار، لذلك جاء سالم بمقالته فاتحة لمعاودة مناقشة القومية اللبنانية من جذورها إلى براعمها، فلنجب مجدداً عن أسئلة بَنَت الكيان اللبناني، وهي: بماذا تمايز لبنان؟ ما هو دوره المميز؟ كيف يؤكد تمايزه بتأدية دوره؟ قد تكون الإجابات عن هذه الاسئلة في أن للبنان دوراً خاصاً في عملية العرض والقبول بين الغرب والشرق، إذ إن جوهر الغرب هو المسيحية ولو أنه عَلمَن قوانينه ومجتمعه ونظامه، ولأن طابع الشرق إسلامي بمجمله كان لا بد من وسيط مسيحي شرقي، بين غرب مسيحي وشرق مسلم، فلبنان يجمع الحالين معاً. أما اسرائيل فلا يسعها القيام بهذا الدور، وإن ادعت ذلك، لأنها لا ترتكز أصلاً على ما هو الأعمق في حضارة الغرب ولأنها غريبة عن الشرق الذي أقامت كيانها فيه.

وهذه الأسئلة مفتوحة للمناقشة.

الولاء للبنان والدولة المدنية

على اللبنانيين أن يخرجوا من التفكير الساذج في أن الدولة الدينية أو الدولة الطائفية أو ديانة الشعب الواحدة أو تطبيق الشريعة يمكن أن توجد حلاً لمشكلات العصر، وقع هذا التفكير في الحتمية التاريخية بالاستحالة. فليست الديانة عامل وحدة سياسية اجتماعية، ولم تكن يوماً حتى منذ بداياتها، ولم توجد لا في دولة إسلامية سالفة، ومن لم يقتنع فليقرأ التاريخ الإسلامي، ولا في مسيحية غابرة، وأوروبا القرون الوسطى خير شاهد.

إن الفلسفة الجديدة لمعنى لبنان، لا مناص من أن تبنى على قومية جديدة محورها لبنان، دون زيادة أو نقصان، ودون روادف او ثقّالات، بأحزاب تتخطّى الطائفة أو الشخص أو الاثنين، وبنظام سياسي يعلو على الأديان والطوائف ويوحّد اللبنانيين في الأرض والتطلّعات.

كما تبنى على دولة تفصل الدين عن الدولة، وهي ليست فريدة في العالم. فكلّ الدول المتحضّرة بنت نظمها السياسية على هذا الأساس. وإذا حقّق لبنان ذلك لا يكون فريداً في مجموعته العربية، إذ إنّ تونس سبقته في التجربة. لكنه يكون قد وضع نفسه على خط الدول المتقدّمة وهو أحوج إلى هذا الفصل منها، بسبب تجربته الفريدة المتوثّبة إلى العوامل التي تحيي فرادتها.

إن وضوح ولاء سالم للبنان، جليّ يتوّج حياته السياسية، ويرتجي من اللبنانيين أن يشابهوه، بأن يطبّقوا ما ورد في مقدّمة الدستور بأن "لبنان وطني نهائي لجميع أبنائه"، وقد ارتضوا ذلك، فليذهبوا إلى الولاء للبنان دون مواربة أو استبطان، وبذلك نسير على الطريق الصحيح في أن لبنان مكتمل بذاته ولا يحتاج إلى معمودية لتثبيت سيادته وحريته واستقلاله، فهو لجميع أبنائه ويجب أن يكون جميع أبنائه له.

وإذا ما طبّقنا الدستور بأمانة تليق برجال القانون وبثقة، يجب أن تغالب الغرض والمصالح عند السياسيين، نكون قد ارتقينا بلبنان إلى مرتبة الأوطان التاريخية بتراثها وتطلّعاتها والدول الحديثة.

ويضيف: لقد ضحّيتم من أجل الأرض، وها هي تطلب منكم الولاء التام "وعندما تقدّمون كلّ ما لديكم من قوة وولاء للبنان تستحقونه وتستحقون مجده".

هل ترتقي كتابات سالم إلى مرتبة الكتابات القومية؟

إنها ترتكز على مفاهيم عرضنا لها تؤسّس لقومية لبنانية جديدة، تبنى على أن لبنان وطن نهائي قائماً بذاته ولجميع أبنائه، يعتمد على المعايير الدولية لحقوق الإنسان، لأن الإنسان هو الغاية. واحترام الإنسان يكون بدولة مدنية لا دينية ولا شرعية ترتقي على أسس صحيحة من القوانين الدولية الحضارية التي تدفعه أبعد على الطريق الحضارية التي اختزنها خلال قرونه الماضية.

وأهم ما في قومية سالم هو الولاء المطلق للبنان، الولاء له وحده وإذا أردت أن تلتزم القومية اللبنانية، يجب أن تعلن التوبة عن خطاياك في حق لبنان، وأن تردّد في أعماق أعماقك هذه الصلاة: "أنا قومي لبناني حضاري، أبي هو لبنان هذا، أمي هي هذه الأرض. أهلي هم كلّ اللبنانيين. ديني "أعبد لبنان بعد الله". منطقتي كلّ حبة تراب من أرضي. أحب إخوتي إلا أنني لا أحب أخي الذي لا يلتزم الولاء لأبي وأمي. أعاهد الله أن اكون إنساناً حضارياً. وأعاهد لبنان أن أكون مواطناً أقوم بواجباتي قبل أن أطالب بحقوقي. أنا قومي لبناني إلا أنني اعتبر البشرية جمعاء عائلتي".

وعندما تنتصر القومية اللبنانية على جميع القوميات التي تعيش فيه، يبقى لبنان ويستمر.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



التضامن العربي

رضوان السيد

قول الحق

د. مصطفى علوش

الدولة الخرساء

راجح الخوري



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...