Ayoub News


خاص أيوب


عن الاحتلال السياسي للبنان

الجمعه 28 آب 2020 - 0:20 6967

كتب (هشام عليوان)

هل انتهى زمن التسويات المؤقتة، وحان وقت التوافقات الجذرية؟ لم يعد الأمر ترفاً، فإما هو أو الزوال. هذه هي خلاصة الموقف، بعد المسار الانحداري الرهيب مذ انعقدت التسوية الرئاسية عام 2016، وجرى خلالها انتهاك الدستور، وتحريف نصوصه بالتأويلات السقيمة، فضلاً عن ترسيخ مبدأ السلاح خارج نطاق الشرعية الدستورية، بدلاً من استيعاب السلاح ضمن استراتيجية دفاعية وطنية متوافق عليها. فكانت الخلاصة ما أسماه النائب نهاد المشنوق بالاحتلال السياسي، في تصريحه الأخير عقب لقائه مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان.

هذا المصطلح غريب لكنه فريد، ويعكس الوضع الهجين والمستهجن في لبنان. إنّ السلاح هنا، لا يؤدّي دور القوة الخشنة لفرض إرادة حامله على السلطة الحاكمة وعلى الدولة، وإلا لكان احتلالاً عسكرياً مباشراً، وهو ليس بمقدور أيّ جماعة في لبنان مهما اشتدّ ساعدها، لأسباب ديموغرافية وجغرافية واضحة. بل هو يحكم ويتحكّم بالقرار الوطني بوساطة لا القوة، بل بظلالها وإيحاءاتها، استناداً إلى المفاعيل النفسية لأفعال مادية حقيقية وقعت منذ زمن زائل أو في مكان ناءٍ. هو من قبيل بسط النفوذ (project power) بقوة شبه خشنة، شبه ناعمة، ذلك أنّ حزب الله، ولسنوات قليلة بعد عام 2000، كان قادراً على استمالة أوسع جمهور، والتأثير فيه بقوة ناعمة، عبر خطاب المقاومة والتحرير. ومع الوقت، تلاشى الأثر، ثم اندثر بدخول سوريا واليمن وسواهما. وصار مضطراً بين الحين والآخر لتذكير الناس أنهم محكومون باستراتيجياته الخاصة، وأنّه عليهم التعايش معها، لا مفرّ من ذلك، ببعض مظاهر الخشونة. لكنّ هذه معضلة يعاني منها الحاكم والمحكوم في الآن نفسه، ولا بدّ من مخرج للبنان من هذه المتاهة، والتي تكاد تكلّفه مساره كدولة ومجتمع.

لقد طالب البطريرك بشارة الراعي بالحياد وبفكّ الحصار عن الشرعية، وما زال يراهن على موقف رئيس الجمهورية. لكن المسألة أعمق من مجرّد حصار، هو احتلال الإرادة السياسية في السلطات المختلفة، وفي مواقعها، وفي صلاحياتها. إنّ موقف الراعي متقدّم جدّاً، وغير مسبوق. والدافع المباشر، أنّ تفاهم مار مخايل 2006، والذي أسّس حلف الأقليات، جاعلاً من أهل السنة غَرَضاً وهدفاً له، لانتزاع الحقوق "المنهوبة" منهم، والمقصود به تقويض اتفاق الطائف، لجهة صلاحيات رئيس الجمهورية، وصل إلى نهايات كارثية. لبنان الكبير يموت في ذكراه المئوية، والمسيحيون هم أكبر الخاسرين من هذا الموات، بل الانهيار.

الموقف الآخر، الذي يمثّل حالياً القطب الثاني الصاعد للصحوة الوطنية، بعد أن كان نقطة الضعف الرئيسية، هو الموقف السنّي. فبعد أن كان الشريك غير المتكافئ للتسوية المراد منها، استضعاف الأكثرية السنية، هو الآن، مطالب بالنهوض السياسي لتصحيح التوازن الوطني، فغياب التوازن على هذا الصعيد، لا يضرّ بطائفة بل بوطن. والمشكلة، ليس الاحتلال السياسي المباشر لإرادة القيادة السنية، بل ما سمّاه المفكّر الجزائري مالك بن نبي بـ "القابلية للاستعمار"، في قراءته لخضوع الدول المستعمَرة لإرادة الدول المستعمِرة. وترجمة ذلك في لبنان، هو قابلية الخضوع لهذا الاحتلال السياسي، تحت عناوين خوف الفتنة، وحرصاً على الوحدة الوطنية، وحفاظاً على الدولة ومؤسساتها. فتبيّن أنّ التضحية بالمقام والميثاق وبالتوازن، لم يقابلها أيّ ملاقاة بالمستوى نفسه، فكانت العاقبة أنّ الخوف اشتدّ على العناوين نفسها، التي كانت ذرائع التسوية الرئاسية، فبات لبنان واللبنانيون على خطر شديد.

إن تشخيص النائب المشنوق للمشكلة، بأنها من قبيل الاحتلال السياسي، يحدّد فعلاً مواضع الخلل، ويرسم وسائل الردّ. ما دام هو احتلال سياسي، فالعمل جارٍ على التحرّر سياسياً من هذا الاحتلال. والخطوة الأولى والأهم هي الاقتناع أولاً بعدم قابلية التعايش مع هذا الاحتلال، دفعاً نحو الحلّ السياسي العادل لجميع الأطراف.  



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



تجرّعْ وحدَك!

رضوان السيد

إيران

محمد الرميحي

لبنان قبل الجحيم

راجح الخوري



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...