Ayoub News


خاص أيوب


صديقنا جبران وتضخم الأنا..

الاثنين 18 تشرين الثاني 2019 - 8:04 5807

كتب (هشام عليوان)

أثناء الحملة الانتخابية النيابية الأخيرة، كان الرئيس سعد الحريري يتجوّل في المناطق لحثّ أنصاره على الاقتراع، ليس فقط للحصول على أكبر كتلة نيابية ممكنة، بل كذلك لإنجاح حليفه الجديد جبران باسيل. بل إن قانون الانتخاب نفسه، بتصميمه العجيب والمعقد كان قانون باسيل، بمعنى أنه سُنّ من أجله، لضمان مقعده أولاً، وضمان حصوله على أكبر كتلة نيابية. في هذا السياق الحماسي آنذاك، وفي وقفة له في بلدة راس نحاش بالبترون، قال الحريري لأنصاره: "إنه لكي نواصل مسيرة الشهيد رفيق الحريري، لا بد من الحفاظ على هذا التوافق (أي مع التيار الوطني الحر). من هنا أتمنى على الجميع النزول إلى صناديق الاقتراع والتصويت للائحة زي ما هي. أما الصوت التفضيلي فسيكون لـصديقي جبران باسيل". وأضاف: "في السياسة، علينا أن نبحث عن مصلحة البلد. وأظن أنكم ترون أن موديل سعد الحريري 2018 غير موديل سعد الحريري 2005". لكن إذا كان المراد من موديل 2018 أن يخلّص البلد من فتنة مفترضة، لكنه لم يمنع البلد من الانهيار الحقيقي.

وحتى في ذلك الوقت قبل عامين تقريباً، بدا إعلان صداقة الحريري لباسيل، مستغرباً بعض الشيء. فكل الحلفاء يدعون لانتخاب شركائهم في الحلف السياسي أو الانتخابي دون التورط في إبداء عواطفهم تجاه الحليف، فلماذا استعمال عبارة الصديق؟ من الواضح أن الحريري كان يعلم مسبقاً نفور الناخبين فأراد ربط الاقتراع بشخصه وفق معادلة صديق الزعيم هو صديق أنصاره بالضرورة. ومع الأيام، اتضحت أكثر فأكثر متانة هذه الصداقة. فرغم أن جبران باسيل عطّل تشكيل أكثر من حكومة لأشهر عدة من أجل تحصيل مقعد أساسي له، ومن أجل الهيمنة على نصابها، ورغم أنه تعدّى على مقام رئيس الحكومة على نحوٍ متكرر، ونصّب نفسه ناطقاً باسم الجمهورية، صانعاً للسياسات الخارجية، ومتخطياً صلاحيات زملائه الوزراء، إلا أن الحريري أظهر قدرة فائقة وغير مفهومة في الآن نفسه، على تحمّل أفعال صديقه وأقواله. وأقصى ما كان يصدر عن مكتبه الإعلامي لدى أي مخالفة سياسية جسيمة من طرف باسيل، هو أن يعتبر تصريحه موقفاً شخصياً منه لا يمثل الحكومة. هذا ما حدث بعد دعوة باسيل إلى إعادة عضوية سوريا خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، وكذلك حين أعلن عن نيته الذهاب إلى سوريا والتباحث مع القيادة السياسية هناك في ملف النازحين وفتح طريق التجارة الخارجية عبر سوريا. فأين تكمن المشكلة؟ في جبران أم في صديقه؟ أم العكس؟ هل هو تدلل الصديق على صديقه أم تسلطه عليه؟ لا أحد بإمكانه الجزم. لكن كيف يمكن تشخيص جبران باسيل الذي أصبح رمزاً لخطاب الكراهية السياسية والطائفية، وتفاقم منذ 17 تشرين الأول على نحوٍ خاص؟ وكيف يمكن فهم ردّ باسيل على الشتائم التي نالت منه، وحجم الرفض القاطع لعودته إلى الحكومة؟ وما هي دلالات إنكار باسيل الواقع من حوله والتصرف كأن شيئاً لم يكن، بل العودة إلى الخطاب الاستفزازي نفسه؟

يقول محبو جبران باسيل عنه إنه شخص نشيط لا يهدأ ولا ينام. وهو يقول عن نفسه إنه صنع ثروته بذكائه، وإذاً فإن على من يتهمه بالفساد أن يأتي بدليل، في حين إن خصومه يغارون منه ويحسدونه، ولذلك يكرهونه ويفترون عليه. على أن دراسة بنية خطاباته المتكررة في مناسبات عدة قبل الثورة وبعدها، ونوع العبارات التي يستعملها لوصف إنجازاته من جهة والحطّ من خصومه من جهة أخرى، وممارساته التي تتعدى مجالات غيره وصلاحياتهم الدستورية، تدل على أنه شخصية نرجسية، تعيش تضخم الأنا. وهذه الصفة هي مشتركة لدى كل الساعين إلى القيادة، إذ لا بد من أن يكون القائد أو الزعيم واثقاً بنفسه، معتداً بها، كي يتمكن من إقناع الآخرين واستمالتهم إليه، بحيث يميز علماء النفس بين النرجسية الصحية والنرجسية المريضة. أما مضمون خطابه فينتمي إلى نمط مركّب من الشعبوية والعنصرية. وإن كنا حالياً في زمن صعود القادة الشعبويين اليمنيين المتطرفين في أنحاء عدة من العالم، فإن جبران باسيل واحد منهم من غير شك.

والآن ما هي المواصفات التي يمكن استخلاصها من خطابات جبران باسيل، للدلالة على الفرضية الأولية والتي تؤكد إصابته بنرجسية مريضة تتحكّم بأقواله وأفعاله:

1- يعتبر باسيل نفسه مميزاً وفريداً ويرى غيره أدنى منه. فهو الأفضل وهو المفضّل ليكون رئيساً للجمهورية، لأسباب عدة، فهو رئيس أكبر كتلة نيابية، وهو الزعيم المسيحي الأقوى، وهو فوق ذلك حامل لمهمة تاريخية وهي استعادة الحقوق المسيحية المسلوبة، ليس بالعودة إلى الوراء إلى ما قبل اتفاق الطائف لعام 1989، بل إلى زمن ولادة دولة لبنان الكبير على يد الاحتلال الفرنسي، عام 1920، وقبل ولادة الجمهورية اللبنانية الأولى بصدور الدستور عام 1926. لذلك يتصرف فوق الدستور الحالي الذي لا يتلاءم مع طموحاته ولا مع تقديره العالي لكفاءاته، وهو لا يُغفل أي مناسبة للبرهنة على أنه صاحب القرار في كل كبيرة وصغيرة، دون أي احترام لخصوصيات زملائه وأصدقائه لا سيما الرئيس الحريري، ومداخلته في شأن تسمية محمد الصفدي لتكليفه بتشكيل الحكومة خير برهان.

2- يحتاج الشخص النرجسي إلى مدد لا ينقطع من المديح حتى لا يصاب بالإحباط. ولذلك هو حسّاس جداً لأقل انتقاد موجّه إليه. وهذا ما يلاحظ على جبران باسيل، في أكثر من مجال، فمنذ استلامه قيادة التيار الوطني الحر قبل أربع سنوات، تتوالى انسحابات الكوادر منه، ممن لا يقبلون بالرأي الواحد. وفي مجال أعم، يواجه باسيل المنتقدين والمعارضين له بعنف لفظي لا هوادة فيه. وأخيراً، اتهم بعض الحراك الشعبي بأنهم خونة، ويبدو أنهم من التيار الوطني الحر أو كانوا فيه، مع أنه يزعم أن مطالب الحراك هي مطالبه أصلاً. ولوحظ أنه في الأيام الأولى للحراك عندما تعرض له المعتصمون، اختفى عن السمع والبصر، فالنقد يؤذيه فكيف يكون الشتم؟ وهو مصمّم على الانتقام ممن جرحه، والحراك الشعبي هو هدفه، حيث بدا أثناء إقحام نفسه بتسمية الصفدي وكأنه في حالة إنكار لما يجري في الشارع، وهذه الحالة أيضاً من سمات الشخصية النرجسية، لأن الحراك بجزئه المسيحي يهز صورته ذاتها، وما يعتقد أنها مهمته التاريخية.   

3- رغم هذه الجوانب السلبية من الشخصية النرجسية، إلا أن الدراسات العلمية تؤكد أن هذه الشخصية قادرة على التفكير المنطقي في كل القضايا التي لا تتعلّق بعقدة صورة النرجسي عن ذاته، أو تقديره لكفايته. مما يعني أن مؤهلات الرجل المصاب بتضخم الأنا، تسمح له بإدارة أموره الخاصة والعامة بنجاح، ما دامت هذه المجالات لا تمس المنطقة المضطربة من شخصيته.(للمزيد، راجع كتاب الشخصية النرجسية دراسة في ضوء التحليل النفسي لعبد الرقيب البحيري).



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



مفكرة الرياض

سمير عطا الله

السباحة السياسية

محمد الرميحي

دولةٌ في ذمَّة الله

جوزف الهاشم

السقف ينهار

راجح الخوري



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...