Ayoub News


خاص أيوب


سيرة بيروتية.. مدرسة بيت الأطفال - الحرش (قصة حب)

الخميس 16 تموز 2020 - 0:09 2645

كتب (فاروق عيتاني)

في معمعة الحرب العالمية الأولى وبعيد عودة احمد بيهم عيتاني الملقب بفتى العرب من فرنسا التي سافر إليها (عام 1907) على نفقة أبيه، (عاد حاصلاً على دكتوراه في الحقوق)، ظهر في بيروت شباب وشابات، هم جيل جديد، وامتداد لشباب عربي عثماني من القدس وعموم بلاد الشام، ضمّ فيما ضمّ من الصادقين بينهم، عمر حمد وعنبرة علي سلام عمة دولة الرئيس تمام سلام، وشقيقة محمد سلام (رئيس جمعية المقاصد 1949- 1958) واحمد سامح الخالدي وغيرهم.

كان على جمال باشا أن يتخلّص إعداماً ممن ثبت عليه التخابر مع العدو وهم كثر، لكنه أضاف فوقهم من قد يشكّلون خطراً مستقبلياً على طموحاته الخاصة، فنفّذ حكم الإعدام بعمر حمد تاركاً صديقيه أحمد سامح الخالدي وأحمد عيتاني بعيداً عن الموضوع لأهمية أسرتهما.

كانت عنبرة سلام تحب عمر حمد، فقد جمعهما تقارب الأجيال والزمان والمكان، فالأفكار والتطلّعات، والأهم الشكل الجذّاب. عمر حمد الذي كوّن نفسه بنفسه رغم وفاة أبيه صغيراً. رفضت عنبرة الزواج من بعد إعدامه، وسافرت للدراسة في لندن، وهناك كان يدرس أحمد سامح الخالدي المعروف فيما بعد بكبير المربّين العرب. ومن ثَمّ، اقتنعت السيدة عنبرة سلام به فقد كان يحبها حباً مكتوماً وتزوّجا وعادت معه إلى القدس.

بيروت ترث فلسطين (الحب وحده لا يصنع مشروعاً)

بوجود الجامعة الأميركية فيها، كانت بيروت تستقطب أبناء محيطها الشامي – العراقي ومن فلسطين خصوصاً. لذا، فعندما وقعت النكبة، وقامت دولة إسرائيل، كانت بيروت المؤهلة لاستقطاب الخبرات الفلسطينية، لا القاهرة، ولا دمشق، ولا بغداد، ولا دول الخليج حينها.

استقبلت بيروت يوسف بيدس مؤسس أهم مصرف فيها، بنك انترا العالمي عام 1951، كما استقبلت السيد ماميش صاحب دور السينما في فلسطين والتي أنشئت على التقليد الألماني. وتزامن هذا مع بداية العصر الذهبي لبيروت في زمن فخامة الرئيس كميل نمر شمعون الملقب بفتى العروبة الأغر (يعترف سامي الخطيب قائد قوات الردع العربية في آخر أيامه أن شمعون هو أهم شخصية سيادبة لبنانية من بين كل رؤساء الجمهورية)، فنهضت الحمراء بديلاً عن ساحة البرج، ونهضت دور السينما (ماميش وعيتاني). وبنى آل المقدسي بناية الستراند. وبنى آخرون موارنة فندق البريستول، كما شُيّد فندقا الفينسيا والكارلتون. وانتقل المطار إلى مكانه الحالي. وتوسعت شركة طيران الشرق الأوسط. وبُني موقع اليونسكو وبقربه مدرسة مار إلياس بطينا. كل هذا تزامن مع وراثة بيروت لفلسطين، ومن بين تلك، كان مفهوم إنشاء بيت الأطفال، والاعتناء بالطفولة وهو الذي نقله إلى محمد سلام صهره أحمد سامح الخالدي. وتجسّد هذا بمشروع بيت الأطفال-الحرش على غرار ومستوى كلية فكتوريا في القاهرة التي كانت تستقطب حينها السعوديين، ليتحوّلوا لاحقاً إلى بيروت، وبيت الأطفال تحديداً، هم ومعهم المهاجرون الجنوبيون اللبنانييون إلى أفريقيا، بالقسم الداخلي منها.

كان بيت الأطفال مدرسة لأبناء النخب المسلمة عامة. وما كان لأمي التي اختارتها لي مدرسة لألتحق فيها لولا توسط خالي الشيخ سعدالدين عيتاني، ولولا وضع أبي المالي الجيد حينها.

بيت الأطفال وتسلل القوميين السوريين إلى داخل إدارتها

لم يكن عمق الفكرة القومية السورية لسعادة والموروث عن أبيه طبيب الأسنان في الأرجنتين، خليل سعادة الأرثوذكسي إلا عبارة عن تجمع أرثوذكسي المشرق لقصقصة كيان مفصل على قياسهم بعيد سايكس- بيكو بمفهوم الأمة السورية الملتبس حينها بالخلط بين مفهوم الشام والعروبة عند المسلمين عموماً. ومفهوم فلسفي تلفيقي اسمه المدرحية، أي خلط المادية مع الروحية. فقط القلة من المفكّرين ممن فهموا هذا، كعمر فروخ زميل سعادة في الجامعة الأميركية، فرفضها. أما من لم يفهم من قوميي "المدفأة" في القرى، فكان يقال لهم: انتظروا عودة هشام شرابي من أمريكا ليشرحها لكم (هو من مواليد يافا. تخرّج من الجامعة الأميركية ببيروت عام 1947، وسافر إلى أمريكا ليدرس التاريخ، ويعيّن أستاذاً بجامعة جورج تاون). 

وفي بيت الأطفال تولّى الإدارة المربّي رشاد العريس (بابا رشاد)، ولم يكن قومياً سورياً، لكنه كان قريباً منهم. كما تشكّل طاقم التدريس من شقيقة معين حمود القومية السورية، ومعلّمة البيانو، ومدرّس مادة الأشغال اليدوية (فلسطيني) بالإضافة إلى اخرين. أما مس وديعة حداد شقيقة وديع حداد (حركة القوميين العرب) ومدرّبة الرياضة، فلم تكن منهم.

المهمّ، وبحركة قنص إعلامي دخل الزعيم أنطون سعادة يرافقه بعض من معتمدي بيروت ووقفت طالبات الصف الرابع الابتدائي مستقبلات الزعيم، رافعات أيديهن هاتفات: تحيا سوريا. يحيا سعادة. (الوقائع منشورة في أدبيات الحزب). كان هذا قبيل تركيب النظام اللبناني موضوع الاعتداء على بيت الكتائب، ومحاولة الانقلاب، وتسليم حسني الزعيم الأمريكي الهوى، سعادة لبشارة الخوري وإعدامه، وخروج القوميين السوريين الأول من الشارع الإسلامي باغتيالهم الشهيد رياض الصلح، بديلاً عن المسؤول الفعلي للإعدام، وهو الرئيس الشيخ بشاره الخوري. ومع هذا التطوّر، جرى تفكيك إدارة بيت الأطفال، حتى لو بقي منها المدير بابا رشاد، وشقيقة معين حمود التي أعلنت انسحابها هي وأخيها من الحزب، وبقيت أيضاً معلمة  البيانو.

لا زلت اتذكر أسماء وأشكال وطباع وحركات معظم رفاق ورفيقات صفي. أشكال طاولات الصفوف وأماكن النوم (كان هناك فترة نوم للقسم الخارجي بعيد تناول الغذاء الذي كنا نتناوله في قاعة الرياضة أسفل المبنى الأساسي اليوم)، وأتذكّر الملعبين، ملعب الأطفال وملعب "الكبار" أي الابتدائي.

أصدقاء الطفولة وقد انقطعت اخبارهم ولم نلتق بعد عام 1959، إلا مع بعضهم ونادراً. مهى سلام السمراء ذات الشعر الأسود المنكوش التي كانت تحرّكني من الخلف. وعادل سماقية (الطويل..). وسعد محيو الخجول والذي كنت ألقّبه بأحمد رمزي. محمود فاعور الذي كان يغيظني كونه محور اهتمام الفتيات و يتهامسن معه. مصطفى الصعيدي من جويا، وبيتهم في محلة النويري مكان مدرسة المعارف الحالية. عبد الرحمن عجيل، وعبد الرحمن عبد ربه الحموي الساكن في محلة الأوبري وعائلته التي فرت من سوريا لكونها على صلة بالشيشكلي. ويغانة فوزي ابنة المحاسب الفلسطيني الساكنة في أبو شاكر، وناهدة أبو ظهر (الناصحة)، وجهاد الخنسا وبيتهم قرب حسينية الخنسا. على أن اكثر رفيق طفولة أتذكّره، هو مصطفى يموت. كان مشروعي للإعداد لتحرير فلسطين، والتدريب فوق سطح بيتنا على حمل السلاح. ويليه عبد ربه. أما عادل سماقية، فقد استثنيته من المشروع، لميوعة عيشهم. كان قصرهم في أسفل شارع القصار حيث بنك المتوسط اليوم مقابل البنك العربي –فردان. والتدريب كان على بندقية خردق العصافير!

أما معلماتنا، فالأبشع منهنّ، كانت مس سيقلي معلمة اللغة الإنكليزي. التقيت بها مرة واحدة سنة 1972، فعرّفتها بنفسي وكانت قد هرمت. هي أصلاً من فلسطين، وحملت الجنسية اللبنانية، وتعمل العائلة في الطباعة أو ما شابه.

والمعلمة الأكثر حباً لها، فكانت معلمة العربي مس مرعي وشقيقتها، فمعلمة التاريخ التي عاد أبوها من فلسطين، ومس خديجة عيتاني، وجارتنا قرب بيتنا في حديقة المفتي المنكوشة اليوم..وطبعاً مس وديعة معلمة الرياضة والاستعراض المسرحي لحفلات نهاية العام، ومدرّسة الرسم حيث كنت بارعاً في الرسم.

كانت مجلة السندباب العصري التي تصدر من القاهرة صوراً متحرّكة، مجلتنا الأسبوعية. ففيها صور سلطانة التي تقذف اليهود بقنبلة يدوية. ونقضي الوقت نتخيّل شكلها، ونقارن أشكال اليهود وأشكالنا، وبطولات بور سعيد، وقصص جول جمال. وكانت أيام المولد مناسبات للتعبير عن: نحن طلاب الجزائر، وغداً سوف نضرب يا فرنسا، وخصوصاً مع أزمة 1957.

وكان فيلم خالد بن الوليد نموذجاً للقيادة التي عمّمتها القاهرة. فهو بطل عسكري يخرج من بين الجنود ليضرب  ضربته في العراق أو اليرموك....فلا إيران الشاه ولا فرنسا أو بريطانيا وريثة الروم. والجماهير الغفيرة تزحف لمشاهدة الفيلم، والتصفيق المطوّل لصورة "بطل الثورة" الذي كسر احتكار السلاح، وقال: لا للثلاثي. (طبعاً لم نكن نفهم لا في معاهدة صدقي، ولا في فصل مصر عن السودان. يكفينا انتصاراً أمام عدو خارجي لنبايعه بطل العروبة. نحنا معاك).

أما الأرانب في بيت الأطفال التي كانت أدوات تخويفنا صغاراً بزربنا معها بعد دهن أذننا باللبن، فقد تجاوزناها  قبل الابتدائي بالتسلّل أثناء الفرصة بعد كل تهديد لنا إلى قفص الأرانب الكبير، وإنزال الضرب فيها مسبقاً لإلقاء الرعب في قلوبها، ووصولاً إلى خطف الأرنب الكبير الأسود وحشره في الشنطة بالاشتراك مع مصطفى يموت. لكنه أفلت في البوسطة ودبّت الصرخة، وتوقّف أبوحسين السائق، وفتحت الباب هاربة، المعلّمة مرافقة البوسطة، ليندفع الأرنب هارباً خلفها قبل وصوله إلى سطح بيتنا حيث عزمنا على "تصفيته". لم يعلموا كيف وصل الأرنب إلى البوسطة. وطلبت ست إحسان محمصاني المديرة من السائقين إقفال أبواب البوسطة حين توقيفها بالملعب بانتظار صعود التلاميذ إليها. غادرت بيت الأطفال شبه مطرود منها، للمشاكل التي كنت أثيرها رغم دفاع معلّمتي العربي والتاريخ عني.

غادرتها بعد نحاجي في السرتفيكا إلى عالم آخر. عالم من مدارس مثلث الرعب: معهد بيروت العالي لأتعرف على رفاق جدد لم نتآلف فيما بيننا إلا بصعوبة. منهم من صار في منظمة العمل حيث التقينا بالحركة الوطنية، ومنهم بالحركات الناصرية. وتنقّلنا بين المعهد العربي لحسن اليتيم وثانوية ابن رشد في راس النبع، ومعهد برج أبي حيدر، وسنة واحدة في مقاصد الأشرفية. تتقاذفنا الاجتماعات والنشاطات السياسية إلى أن مررنا بالتوجيهية المصرية، لنعود بعدها فريقين: فريق إلى الجامعة اللبنانية ولست منهم، وفريق إلى جامعة بيروت العربية.

لقد رسّخت مرحلة الخمسينات كلّ المفاهيم التي شكّلت جيلاً (غير جيل بيت الأطفال) الذي انقطع التواصل معه. لكن تجربتي فيها علمتني أهمية إعداد الأطفال وسط أجواء آمنة غير عنيفة، ومناهج علمية في طرائق التعليم الحرّ.

إقرأ أيضاً: سيرة بيروتية.. الشيخ سعد الدين جمعة عيتاني مفتي الشافعية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



مآلات الانهيار

رضوان السيد

عن الحياد

د. مصطفى علوش

علامة شطب على لبنان

راجح الخوري

داء التعثر

سمير عطاالله



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...