Ayoub News


خاص أيوب


سيرة بيروتية.. الشيخ سعد الدين جمعة عيتاني مفتي الشافعية



الأربعاء 8 تموز 2020 - 0:15 2653

كتب (فاروق عيتاني)

مصائرنا تُرسَمُ من طفولتنا مع إرادتنا ومصادفاتنا..

روت لي أمي: "ولد خيّ سعد الدين أيام الثلجة الأولانية ببيتنا في المصيطبة حي اللجا وولدت أنا بعده "بكم سنة".

إذاً فقد ولد مفتي شافعيتنا، ومرّت طفولته في العقد الثاني من القرن العشرين، وفي بيروت، وعلى أطراف حيّ يحدّه جنوباً حينها حيّ من مسيحيين تجمعوا ابتداء من 1860 وافدين أتوا هرباً من أماكن لجوء، مهمّشين ناجين بجلدهم. ويمتدّ غرباً متواصلاً مع امتداد إسلامي عابراً "الرمول" شارع فردان اليوم ليلتقي مع أرض مهمّشين في غربي رأس بيروت (ساقية الجنزير). حيّ هو نفسه حينها على أطراف المصيطبة المطلة من بيت زعيمها علي بك سلام على محروستنا بيروت منافساً للثقل السياسي المتكوّن أصلاً من وحول "الداون تاون": والممتدّ إلى المرتفعات الأوّلية القريبة منها شرقاً حيث البيارتة السراسقة الأرثوذكس بحيهم والمشرف فوق محلة الرميل والجميزة أو غرباً زقاق البلاط حيث المحيط الإنكليزي مع منافسة فرنسية ألمانية أو ممتداً عبر الشرفة الشمالية الغربية إلى حيّ الطنطاس للتنوخيين الذي تبرعوا بقسم منه لدانيال بلس ليشيد عليه الكلية الإنجيلية، وقد ابتنت "الأرستقراطية" النخب البيروتية علي طريقه قصورها سواء من بيت عميد العياتنة، بيهم (ومكانه مقابل بناية ستاركو حالياً أي المركز الفرنسي الموجود نفسه) أو قصر الداعوق بعده، أو قصر جنبلاط بعدهما، أو قصر قريطم قرب المنارة الأولى وكان من تجارالقماش وخيوط الحرير (كانت حفيدته من حركة القوميين العرب، وفي بيتهم أقام جورج حبش طيلة أيام الاجتياح الإسرائيلي صيف 82).

وعلى هذا، فصاحب السيرة مفتينا حمل من طفولته قلق الانكسار والهزيمة لا مرحباً بالحداثة ولا متعلقاً بدولته العلية، مع رفض لمشاركة إخوته الصبيان في أعمالهم المرتكزة على أسواق الخضار بباطن بيروت. وهم أصحاب العلاقة بطبيعة عملهم بين المزارع، المنتج مسيحياً أو مسلما أو جنوبياً وبين الزبون البيروتي المستهلك. فأمضى طفولته متردداً على مسجد المصيطبة القريب أو حاملاً لوحاً يذاكر فيه ما تعلّمه في المسجد من رسم لحروف العربية ونطق الألفاظ قبل حلول العتمة. فمصباح الكاز للعموم وسط الدار، وسراج الزيت للمطبخ.

تطورات العقدين الثالث والرابع من القرن العشرين

كان علينا نحن سكان بيروت العثمانية سابقاَ، وسكان بلاد الشام عامة، أن ننتظر إلى نهاية العقد الثالث لمباشرة حالة استنهاض إسلامي -عربي مرتبطة بمصر الملك فؤاد أو فاروق من بعده أو بعبد العزيز بن سعود، ومتواصلة مع العراق ومدارة شراكة مع دمشق شام الأكثريات. وكلها حالات قلقة على وقع تطوّرات أندلسنا الثانية فلسطين. وعلى وقع التطوّرات من لندن وباريس وبرلين إلى اخر مقهى أوروبي، موسكو حيث بلاد المسكوب وستالين أو آل رومانوف سابقاً، لا فرق. فالكل كنائس شرقية...

هكذا تابع مفتينا الصغير حياته، فتوسع تردّده إلى خارج مسجد المصيطبة. وبدأ يتلقى العلوم الشرعية في بيوت علماء بيروت، فأخذ عن الشيخ خليل القاطرجي علوم النحو واللغة، قرأ عليه الألفية (ألفية ابن مالك في النحو، وهي مكوّنة من ألف بيت من الشعر جمعت كل آراء المدرسة البصرية في النحو، وعليها شروحات وحواشٍ - كان مقرّراً علينا في جامعة بيروت العربية عام 1967 شرح ابن هشام على الألفية. وأخذ سعد الدين عن الشيخ مختار العلايلي فقه الشافعية (بيروت وحدها شافعية دون بقية المدن اللبنانية، إثر حملة إبراهيم باشا).

ومع رغبة مصر فؤاد الأول في مواجهة عبد العزيز، أعاد تعزيز دور الأزهر بالبعثات، وكان نصيب بيروت نشاطاً أزهرياً نال خالي منه بعثة إلى الأزهر عام1935عاد منها بعد عشرة أعوام، عام 1945حائزاً على شهادة الأهلية للغرباء عام 1936، ثم شهادة العالمية للغرباء، ثم الشهادة العالية للكلية الشرعية في الأزهر. وبعدها نال الغجازة بالقضاء الشرعي بتصديق الحكومة المصرية وتوقيع الملك فاروق عليها. فلا عجب أن يبقى قلبه متعلقاً بالملكين فؤاد وفاروق الذي حمّلني اسمه. ومتعلقاً بالأزهر الذي ارتوى منه كل مسائل الشافعية الفقهية من أصول الفقه الشافعي: القياس والإجماع بالإضافة إلى مصدري الحديث والقرآن. فالفقه اصطلاحاً، هو معرفة الأحكام الشرعية من حلال وحرام  من أدلتها الشرعية. (وبدون نطنطة بين المذاهب)....

عقدا الأربعينات والخمسينات

مع عودته إلى بيروت، عيّن قاضياً منفرداً لمحكمة جبل لبنان مدة سنتين. ثم نقل إلى بيروت مستشاراً للمحكمة السنية العليا، وبقي في هذا المنصب حتى تقاعده عام 1976. وقد عيّن رئيساً للمحكمة بالوكالة بعد تقاعد الشيخ محمد الداعوق، ثم نائباً للرئيس حتى بلوغه سنّ التقاعد. وإلى جانب هذا، كان خطيباً وواعظاً ومدرساً في مسجد الأمير منذر عساف. يقول عنه المرحوم رمزي دمشقية (صاحب دار البشائر) وهو أحد تلاميذه، في بيته حيث التزم الشيخ سعد الدين التدريس فيه بعد تقاعده: "كان يعتبر مهمة وعظ الناس وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، هي مهمة العالم الأساسية. وبذا كان يحافظ في خطبه على ناحيتين: إحداهما وعظ الناس وإرشادهم و تعليمهم الحلال و الحرام مع المحافظة على قصر الخطبة ومراعاة السنة النبوية في كل ذلك". ويضيف دمشقية: "وفي السنوات الأخيرة تفرغ الشيخ للتعليم و التدريس. وكان رحمه الله يبذل الكثير من الجهد والوقت ... لقد كانت الدروس تبدأ عنده من بعد صلاة الفجر وتستمر حتى صلاة العشاء".

ويستكمل دمشقية رثاء شيخه بالقول: "شهد له أقرانه من العلماء والقضاة ممن عايشوه وعاصروه بالجرأة في قول الحق، ولو أدى ذلك إلى إلحاق الضرر به. وبالحرص على إحقاق الحق في القضاء مع نظافة اليد و نزاهة النفس". (اللواء 15\3\1985).

هذه السيرة العالية لبيروتي عالم جليل، لم تتمكن من ترك أثر واضح خلفها. ذاك أن خالي لم يترك خلفه مؤسسة تستمر بمسيرته، وسبب هذا أن المؤسسة تحتاج إلى علاقات سياسية كان خالي يبتعد عنها. صحيح أنه باشر نشاطه بتأسيس جمعية مسجد المصيطبة، ولكن ابتعاده عن آل سلام وعن كل السياسيين ساهم لا بغياب المؤسسة، بل بتسلط حزب الدعوة عليها لتشكّل في نهايات السبعينات أحد منطلقات الترويج لإيران حينها.

لقد أثر خالي تاثيراً عميقاً فيّ، فهو من توسط لوالدتي بإدخالي مدرسة بيت الأطفال – المقاصد التي أسسها محمد سلام لتكون على غرار كلية فكتوريا. كما تعلقت به حاضراً لخطبه في مسجد الأمير منذر. ويوماً سالته منتقداً خطبه وكنت دون الثانية عشرة من عمري: "خالي، ليش بالخطبة ما بتردّ على الشيوعيين حتى الناس ما تشكّ!!" حضنني خالي بمحبة وقال لي: "يا خالي الناس اللي بتجي عالجامع مؤمنين، والعقيدة إن صاحبها شك بطلت... "احمر وجهي حتى أذناي، لكن بقي بداخلي من خالي فاعلاً إلى اليوم، ذاك الذي لا ينفك بين العروبة والإسلام. فأنا ابن الخمسينات، عشت على أخبار فلسطين، وحرب 56، و يتيمة قرننا الوحدة بين مصر وسوريا. هناك تأسست طفولتي. وهناك، بدأت أحلامنا صغارا لنفكّر بخيباتنا كباراً.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



مآلات الانهيار

رضوان السيد

عن الحياد

د. مصطفى علوش

علامة شطب على لبنان

راجح الخوري

داء التعثر

سمير عطاالله



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...