Ayoub News


خاص أيوب


ثورة لبنان.. سيناريو السودان مقلوباً

السبت 11 كانون الثاني 2020 - 0:20 3359

كتب (هشام عليوان)

قد يكون من حظ الطبقة السياسية في لبنان، أن لحظة الانفجار الشعبي في 17 تشرين الأول الماضي، أتت أبكر بقليل، من عوامل الانفجار الحقيقي، أي انكشاف حجم الانهيار النقدي كأثر مباشر، لمآلات متوقعة من العجز المركب سواء في الميزان التجاري (الفرق الشاسع بين الاستيراد والتصدير) وهو عجز تاريخي ومزمن، بسبب طبيعة النظام الاقتصادي القائم على الخدمات والتحويلات لا على الإنتاج أو العجز في ميزان المدفوعات (وهو الفرق بين ما يخرج من العملة الصعبة لاستيراد المواد على أنواعها وما يدخل منها من تحويلات اللبنانيين في المهجر ومن إيداعات من الدول الخليجية) وكان ميزان المدفوعات يغطي عادة عجز الميزان التجاري، وبدأ يتراجع الفائض منذ سنوات لأسباب سياسية واقتصادية، إلى أن أصبح عجزاً وانكشافاً على المجهول ابتداء من عام 2011 (lebanoneconomy.net). وأخيراً وليس آخراً، عجز الميزانية العامة حيث اعتادت الدولة اللبنانية على الاستدانة من الداخل والخارج، للإنفاق لا على المشاريع الضرورية وفق خطة تقشفية إنتاجية بل على الحصص السياسية وما تنطوي عليه من فساد وهدر. وعليه، فقد انطلقت ثورة الواتساب، بسبب القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقال، فيما تكشّفت المخاطر بحجمها التقريبي والمرعب خلال أشهر الثورة التي بلغ فيها الاهتمام الشعبي بالمجال العام أعلى مستواه، وعندما لم يعد بمقدور السلطة الكذب على الناس، والتحايل عليهم.

بالمقارنة، فإن ثورة السودان التي أسقطت العام الماضي حكم الرئيس عمر البشير الممتد لثلاثين سنة، انطلقت من حيث انتهت ثورة لبنان أخيراً. فرغم محاولات الانتفاضة المتكررة خلال السنوات الفائتة ضد حكم البشير، إلا أن كل هذه المحاولات لم تنجح. فقبضة العسكر والأمن كانت صارمة، والولاء مطلق للرئيس، وثمة طبقة حاكمة مستفيدة، تتألف من الحزب الحاكم الذي يضم نخبة سياسية وعسكرية وأمنية وإدارية وأكاديمية. وفوق كل هؤلاء، ميليشيات مسلحة موالية للنظام، لا تقل ضراوة أو انتماء إلى النظام. وحانت لحظة التغيير، عندما انفصل الجنوب عن الشمال عام 2011، فخسر الشمال ثلاثة أرباع موارده النفطية، والتي تشكّل 80% من موارد الدولة من النقد الأجنبي. والمفارقة، أن انقلاب البشير عام 1989 كان تحت عنوان القضاء على التمرد في الجنوب، وأُنفقت المليارات من الدولارات على تسليح الجيش والإنفاق على تشكيلاته، فإذا بالتمرد يتمدد بأشكال أخرى إلى الشرق وإلى الغرب. وهكذا، استأنف الجنيه السوداني هبوطه إلى مستويات قياسية، مع أن حكومة الإنقاذ الوطني كانت ألغت قبل ذلك صفرين من سعر الجنيه بإزاء الدولار، فعندما هبط سعره من 6 إلى 9 جنيهات للدولار الواحد، عقب الانفصال، كان المقصود حقاً أن الدولار بات يساوي في حينه 9 آلاف جنيه. وبالنسبة إلى إيرادات الدولة عام 2017، فلم تتخطّ 3 مليارات دولار، فيما بلغت قيمة الاستيراد 8 مليارات دولار، ولم يعد لديها موارد تذكر لشراء النقد الأجنبي غير قليل من الصادرات المتمثلة ببعض المواد الزراعية وكميات محدودة من الذهب. وحاولت الحكومة ردم الفجوة بفرض الضرائب والرسوم على القطاعات الإنتاجية، ورفع الدعم عن المواد الأساسية والمحروقات، وارتفعت نسبة التضخم في الأسعار، وانهارت البنية التحتية للاقتصاد (noonpost.com) .

انطلقت ثورة الخبز في السودان في 19 كانون الأول عام 2018، بعد أن ارتفع سعر الرغيف من جنيه واحد، إلى ثلاثة، مع ندرة دقيق الخبز والسيولة النقدية، وحدّت المصارف من سحب المواطنين لأموالهم بسبب العجز عن توفير السيولة النقدية. ارتفعت أسعار المواد الإستهلاكية مع تطبيق موازنة 2018، التي أقرت زيادة سعر الدولار إلى 18 جنيهاً، مقابل 6.9 جنيهاً في موازنة عام 2017. وباتت أعداد ماكينات الصراف الآلي التي تعمل في العاصمة الخرطوم محدودة، إذ لا تسمح للمواطنين بسحب أكثر من 10 دولارات في اليوم الواحد خشية قيامهم بتحويل مدخراتهم إلى عملات أجنبية. وأحد أسباب زيادة أسعار القمح هو توقف الحكومة عن استيراد القمح وتكليف القطاع الخاص بتلك المهمة، فارتفعت أسعار كيس القمح الذي يزن 50 كيلوغراماً من 24 دولاراً إلى 65 دولاراً للكيس الواحد، وهو ما دفع ببعض أصحاب المخابز إلى إغلاقها بسبب ارتفاع تكاليف انتاج الخبز (bbc.com).

تدهور الاقتصاد السوداني على نحوٍ متسارع منذ بداية عام 2018، بسبب الإجراءات التصحيحية التي فرضها صندوق النقد الدولي على السودان. فرفعت الحكومة الدعم عن القمح ومشتقات النفط، وخفضت سعر الجنيه أكثر من مرة، من 6,7 إلى 30 جنيهاً بإزاء الدولار، في شباط ذلك العام، ثم إلى 47,5 في تشرين الأول. أما السعر الموازي للجنيه السوداني في السوق السوداء فبلغ 70 جنيهاً. وتسبب ذلك بانكماش القطاع الخاص ومعه التجارة الخارجية، وتفاقم شحّ الدولار، وارتفعت أكثر فأكثر نسبة التضخم فوصلت إلى 72.9% في شهر الثورة أي كانون الأول (acaps.org).

فهل ما انطلقت منه ثورة الخبز في السودان العام الماضي، وأدت إلى تغيير كبير ولو بمشاركة السلطة مع بعض النظام، هو ما افتقدته ثورة لبنان التي انطلقت من ضريبة الواتساب، وتنوء تدريجياً تحت عبء الانهيار النقدي وتوابعه الآتية من دون ريب؟ وكأنه سيناريو السودان مقلوباً. وهل هذه الأعراض هي التي ستصيب لبنان إن لم يتداركه التغيير العاجل؟



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



لا تضيعوا الفرصة

البروفيسور إيلي الزير

حكومة الكون

سمير عطا الله

ثورة الجياع

راجح الخوري



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...