Ayoub News


خاص أيوب


المنطق المستحيل عند السلطة والثورة

الأحد 9 شباط 2020 - 4:57 5702

كتب (هشام عليوان)

ما يشهده لبنان من تنازع مؤلم بين السلطة والثورة، منذ 17 تشرين الأول، وصل إلى حائط مسدود، فلا السلطة مستعدة للتنازل عن مواقعها ومكتسباتها حتى لو نزل مئات الآلاف إلى الشوارع والساحات، ولا الثورة مستعدة للتنازل عن مطالبها ومبادئها، حتى لو وقف ضدها كل قوى السلطة، يداً واحدة. وفيما بين الموقفين لا توجد مساحة رمادية، والرمادي هو اللون المفضّل للسياسي المحترف، لأن نشاطه الأساس هو عقد التسويات وتدوير الزوايا.

من حيث المبدأ، طبيعي أن تكون الثورة مضادة لأي تسوية، بل لا تكون ثورة إلا إذا كانت تبغي التغيير الجذري تحت عنوان "الشعب يريد إسقاط النظام". لكن من غير الطبيعي، وغير المقبول بتاتاً، أن تكون السلطة بهذه البلادة والعناد. لقد كان أمامها فرصة مهمة بل أكثر من فرصة، لإرضاء الشارع وامتصاص نقمته، ومنها تشكيل حكومة تكنوقراطية حقيقية، تتألف في غضون أيام، وتبدأ عملها خلال أسابيع قليلة، فتتصدى مباشرة لمظاهر الأزمة المالية بقرارات حازمة، وعمل دؤوب، واقتناص الوقت، وتدارك الانهيار. كان ممكناً إحداث صدمة إيجابية بموجات متتابعة، في مجال الحكومة فقط، أي شخصية رئيس الحكومة، ونوعية الوزراء، وثقلهم التقني، وكيفية توزيعهم بحسب الاختصاص، والبيان الحكومي المفروض أن يتضمن التشخيص والدواء، دون كثير كلام. بدلاً من ذلك، دارت عجلة التكليف والتشكيل بسرعة السلحفاة، وانتهت العملية القيصرية بإجهاض كل الآمال.  

أما وأن الطرف الأول، أي السلطة، يعاني من السمع الثقيل والنظر القصير، فإن الطرف الثاني، أي الثورة، افتقر إلى عقل سياسي يستثمر الحراك الشعبي الهائل لتحقيق ما أمكن من مكاسب، وفق خطط مرحلية، على طريقة "خذ وطالب"، بل اعتمدت الثورة منذ البداية مبدأ "ربح كل شيء أو خسارة كل شيء". وهذا من حسن حظ السلطة، التي تمكنت من التقاط أنفاسها، وترتيب خطوط دفاعها، والصمود في مواقعها، ثم الانطلاق في حملة مضادة، فأصبحت هي في موقع الهجوم، وبات الثوار في موقع الدفاع. ونعرف من التجارب التاريخية، أن الدفاع المستمر أكثر كلفة استراتيجياً من الهجوم المتواصل، وهذا هو الوضع الآن، بعد تشكيل حكومة حسان دياب، والاستعداد لنيل ثقة البرلمان.

ولو أردنا تبسيط مطالب الثورة، واختصارها بكلمة واحدة، لاستطعنا القول صراحة، بأنها تطالب السلطة بالاستسلام الكامل والتخلي طوعاً عن مواقعها. وهذا هو مغزى المطالبة بحكومة مستقلة تدير انتخابات نيابية مبكرة تتولى تكوين السلطة، من رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة إلى البرلمان رئيساً ونواباً، بالترادف مع محاكمة السياسيين دون استثناء، بل منعهم من ممارسة السياسة احتياطاً إلى أن تثبت براءتهم. تريد الثورة من السلطة الحالية أي من مجلس النواب أن يعيّن رئيساً للحكومة، وفق معايير محدّدة، وأن يشكل هذا الرئيس حكومته من شخصيات مستقلة عن الأكثرية النيابية، ثم تريد من هذه الأكثرية نفسها أن تمنح الحكومة المستقلة الثقة اللازمة، كي تقوم هذه الحكومة بعملين متوازيين هما: محاسبة السلطة التي جاءت بها من خلال الثقة البرلمانية، وتنظيم انتخابات نيابية مبكرة تطيح بهذه الأكثرية. ولم لا تقوم الأكثرية النيابية نفسها بسنّ قانون انتخابي جديد يسلب النواب الحاليين أو معظمهم، عضويتهم في البرلمان!

فما العمل إذن؟

على السلطة كما على الثورة أن يعترفا بأن النصر الحاسم والسريع غير ممكن. بل يحتاج كلاهما في المدى المنظور إلى تسوية مؤقتة في أقل تقدير، مؤداها العمل على وقف الانهيار الاقتصادي الذي لن يوفر أحداً، سواء أكان موالياً للسلطة أم ثائراً عليها. وعندما تكون الثورة قائمة فهي تردع السلطة عن تحميل عبء الانهيار على عامة الناس، وتجبرها على تصويب خياراتها لأن هناك من يراقبها ويحاسبها. أما إذا خمدت الثورة واستسلمت فسيكون الوبال على الجميع دون استثناء.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



مآلات الانهيار

رضوان السيد

عن الحياد

د. مصطفى علوش

علامة شطب على لبنان

راجح الخوري

داء التعثر

سمير عطاالله



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...