Ayoub News


خاص أيوب


الكورونا قد يعيد تشكيل النظام العالمي (1-2)

الخميس 26 آذار 2020 - 0:05 4703

ترجمة وإعداد (هشام عليوان)

اقتحم فيروس الكورونا التوازنات العالمية لا المجتمعات والأفراد وحسب. وفيما ينهمك الناس والحكومات في أنحاء المعمورة، في التوقّي من المخاطر اعتزالاً في المنازل، بحثاً عن السلامة، ينشغل المفكرون الاستراتيجيون في الدول الكبرى، لا سيما في الولايات المتحدة في تأمل تداعيات الفيروس على شكل النظام العالمي وتوازناته. وبدأت تصدر الآراء في الصحف والمجلات المتخصّصة والمراكز البحثية. ومن هذه الآراء ما نشرته مجلة فورين أفيرز (Foreign Affairs) في 18 آذار الحالي، بقلم كيرت كامبل (Kurt M. Campbell) مساعد سابق لوزير الخارجية الأميركية لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ ما بين عامي 2009 و2013. وراش دوشي (Rush Doshi) مدير مبادرة استراتيجية الصين في معهد بروكينغز.

وفيما يلي نص الحلقة الأولى من المقال: 

"مع عزل مئات الملايين من الأفراد أنفسهم، في أرجاء العالم، فإن وباء الكورونا المستجد، أصبح حدثاً عالمياً بحق. وبما أنه ينبغي اعتبار الآثار الجيوبوليتيكية ثانوية بالنظر إلى قضايا الصحة والسلامة، لكن هذه الآثار، قد تبرهن على المدى البعيد، بأنها أساسية، لا سيما حين تمسّ الموقع العالمي للولايات المتحدة. إن النظم العالمية تميل إلى التغيّر تدريجياً في البداية، ثم تنقلب دفعة واحدة. ففي عام 1956، أدى التدخل الرديء في قناة السويس، إلى كشف تراجع القوة البريطانية، وإلى نهاية سيطرة المملكة المتحدة كقوة عالمية. اليوم، على صانعي السياسة الأميركية الاعتراف، أنه إن لم تنهض الولايات المتحدة لالتقاط اللحظة، فإن وباء الكورونا يمكن أن يؤشر على "لحظة السويس" الأميركية ]المماثلة لما حصل لبريطانيا[.

من الواضح الآن للجميع، ما عدا المحازبين ضيقي الأفق، أن واشنطن أساءت التصرف في استجابتها الأولى لأزمة الكورونا. ووقعت عثرات في المؤسسات الأساسية، من البيت الأبيض ووزارة الأمن الوطني، إلى مراكز السيطرة على العدوى وتجنّبها (CDC)، ما قوّض الثقة بقدرة الحكومة الأميركية وفعاليتها. إن التصريحات العامة للرئيس دونالد توامب، سواء أكانت في المكتب البيضاوي أو عبر التغريدات في الصباح الباكر، أسهمت على نحوٍ واسع في نشر الاضطراب وعدم اليقين. كما أثبت القطاعان العام والخاص، أنهما غير جاهزين على نحوٍ ملائم لإنتاج وتوزيع الأدوات الضرورية للفحص وإعلان النتيجة. وعلى المستوى الدولي، وسّع الوباء من المنحى الغريزي لترامب للمضي ببلاده منفردة ما كشف تماماً عدم استعداد واشنطن لقيادة الاستجابة العالمية للأزمة.

إن موقع الولايات المتحدة كقوة عالمية قائدة خلال العقود السبعة الماضية، لم يُبنَ فقط على مجالي الصحة والقوة، بل كذلك، وهو مهم بالقدر نفسه، على الشرعية التي تنبع من الحكم الوطني للولايات المتحدة، ومن كونها مركز المصالح العالمية، ومن القدرة والرغبة في جمع الجهود والتنسيق فيما بينها لصياغة استجابة عالمية للأزمات. إن انتشار وباء فيروس الكورونا هو اختبار للعناصر الثلاثة لقيادة الولايات المتحدة. وحتى الآن، فشلت أميركا في هذا الاختبار.

وفيما تتعثّر الولايات المتحدة، تتحرك بكين بسرعة، وتستغل الثغرة الناتجة عن أخطاء أميركا، وتملأ الفراغ لوضع نفسها في موقع القيادة العالمية في الاستجابة للوباء. وهي تعمل تماماً من خلال نظامها نفسه. تزوّد البلدان الأخرى بالمساعدات المادية، وحتى إنها تنظّم عمل الحكومات الأخرى.

لكن تصعب المبالغة في تقدير جرأة الحركة الصينية. فعلى الرغم من كل شيء، إن أخطاء الصين لا سيما في جهودها الأولى للتغطية على شدة الوباء وانتشاره، هي التي ساعدت على بروز هذه الأزمة التي تصيب معظم العالم. مع ذلك، فإن بكين تدرك أنه إن نُظر إليها على أنها رائدة، ونُظر إلى الولايات المتحدة على أنها غير قادرة أو غير راغبة في تحمّل أعباء القيادة، فإن ذلك الإدراك يمكن أن يغيّر الأسس التي يقوم عليها موقع الولايات المتحدة في السياسات العالمية، والتنازع على القيادة في القرن الواحد والعشرين.  

الأخطاء المرتكبة

فور انتشار الكورونا المستجد، والذي تسبب بالوباء الذي اسمه الآن كوفيد 19، فإن أخطاء قادة الصين أضفت الشحوب على الموقع العالمي لبلادهم. فقد اكتشف الفيروس في شهر تشرين الثاني عام 2019 في مدينة ووهان، لكن المسؤولين لم يعلنوا ذلك لأشهر، وحتى إنهم عاقبوا الأطباء الذين هم أول من أرسل التقارير عنه، ما أضاع وقتاً ثميناً وتأخروا خمسة أسابيع في الأقل في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتثقيف الناس، ووقف السفر، والبدء بالفحوص على نطاق واسع. وحتى في ذروة الأزمة، ضيّقت بكين على المعلومات، وتحكمت بها، وأعرضت عن تلقي العون من مراكز السيطرة على الوباء وتجنّبه، وقيّدت سفر منظمة الصحة العالمية إلى ووهان. ومن المحتمل أنها قلّلت من أعداد الإصابات والوفيات، وعدلت أكثر من مرة معيار تسجيل حالات الإصابة بالفيروس، ربما للتلاعب بالعدد الرسمي للحالات، من ضمن جهد متعمد.

وعندما تفاقمت الأزمة شهري كانون الثاني وشباط، قدّر بعض المراقبين أن الكورونا يمكن أن يقوّض قيادة الحزب الشيوعي الصيني. واعتبروا أن الأزمة هي "تشيرنوبيل الصين" ]كما كانت حادثة المفاعل النووي تشرنوبيل في الاتحاد السوفياتي سابقاً سبباً في التغيير السياسي اللاحق[. كما شبّهوا الطبيب الصيني لي ونليانغ الذي أسكتته الحكومة -والتي خضعت لاحقاً لتعقيدات الفيروس- بالرجل الذي تحدّى الدبابات في ساحة تيان أن مين ]التي شهدت الاضطرابات الشعبية ضد الحكومة عام 1989].

لكن في مطلع شهر آذار، ادّعت الصين الانتصار على الفيروس. ونُسب الفضل في ذلك، إلى العزل الجماعي، وحظر السفر، والتعطيل الكامل للحياة اليومية في أنحاء البلاد، فالإحصاءات الرسمية، أفادت بأن الحالات الجديدة هبطت إلى عشرات في منتصف آذار ]وأعلنت بعده بأيام أن الإصابات المحلية باتت صفراً] بعد أن كانت بالمئات في مطلع شباط. وفي مفاجأة لمعظم المراقبين، بدأ الزعيم الصيني زاي جيبينغ بوضع نفسه في قلب المواجهة، وهو الذي ظلّ صامتاً في الأسابيع الأولى، على نحوٍ غير معهود. وفي هذا الشهر زار بنفسه مدينة ووهان.

ولو لم تعد الحياة إلى الصين حتى الآن (وعلى الرغم من الأسئلة المستمرة عن صحة الإحصاءات الصينية)، فإن بكين تعمل على تحويل الإشارات المبكرة للنجاح إلى رواية أوسع من خلال بثها في بقية العالم، وهو ما يجعل الصين اللاعب الأساسي في مرحلة الشفاء العالمي، والتغطية على سوء إدارتها مبكراً للأزمة.

إن جزءاً دقيقاً من هذه الرواية، هو النجاح المفترض لبكين في محاربة الفيروس. وثمة سيل ثابت من المقالات الترويجية، والتغريدات، والرسائل العامة، في طيف واسع من اللغات، يؤكد على إنجازات الصين، ويُعلي من فعالية نموذجها في الحكم الوطني. "إن التأشير على قوة الصين، وفعاليتها، وسرعتها في هذا الصراع بات معترفاً به على نحوٍ واسع"، كما أعلن الناطق باسم الخارجية الصينية زهاو ليجيان. وقد أرست الصين، كما يضيف، "نموذجاً جديداً للجهود العالمية ضد الوباء". وبالمقابل، وضعت السلطات المركزية قيوداً صارمة على أجهزة الدولة بشأن التحكم بالمعلومات وبالانضباط، لخنق أي روايات مناقضة للرواية الرسمية.   

وما ساعد في انتشار رسائل الصين إلى العالم، التناقض القائم بين جهود الصين والجهود المبذولة في الغرب لمكافحة هذا الفيروس، ولا سيما في الولايات المتحدة، إذ فشلت واشنطن في توفير العدد الملائم لأدوات الفحص، ما يعني أن الولايات المتحدة فحصت عدداً أقل نسبياً من الأفراد، أو أن إدارة ترامب تخلّت عن البنية التحتية الحكومية للاستجابة للوباء. وبالمقابل، قبضت الصين على الفرصة الممنوحة لها من الارتباك الأميركي لنشر روايتها هي، بحيث يقوم إعلام الدولة كما الدبلوماسيون بتذكير جمهور عالمي على نحوٍ منتظم، بتفوق الجهود الصينية، ونقد "عدم المسؤولية وعدم الكفاية" لـ"ما يسمى النخبة السياسية في واشنطن"، كما ورد في افتتاحية الوكالة الرسمية للأنباء شيخوا.

وأكد المسؤولون الصينيون كما الإعلام الرسمي أن فيروس الكورونا لم ينبثق من الصين في الواقع –على الرغم من الدليل الغالب على العكس من ذلك- من أجل تقليل اللوم على الصين لانتشار الوباء العالمي. وهذا الجهد يحظى بعناصر حملة التضليل ذات الأسلوب الروسي، من خلال كلام الناطق باسم الخارجية الصينية وعدد من الدبلوماسيين الذين يتشاركون مقالات ذات مصادر ضعيفة تتهم الجيش الأميركي بنشر الكورونا في ووهان. هذه التصرفات معطوفة مع الطرد الجماعي غير المسبوق للصحافيين العاملين لدى ثلاثة من أكبر الصحف الأميركية، هو مما يضرّ مزاعم الصين في القيادة".



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



النرجسيون

عبد الله بن محمد الشهري

ماكرون قرّر تعليمنا

رضوان السيد

أشباح إيرانية

راجح الخوري

حكاية مدينتين

سمير عطا الله



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...