Ayoub News


خاص أيوب


الغضب السُنّي و"المقاومة السياسية"

الأحد 2 حزيران 2019 - 2:12 6716

كتب (هشام عليوان)

ما بين استرسال واستسهال، وإفراط وتفريط، واحتلال واختلال، يبرز مفهوم "المقاومة السياسية"، الذي أطلقه الوزير السابق، النائب نهاد المشنوق، في سياق تأبين البطريرك العنيد مار نصر الله بطرس صفير الذي رحل في الذكرى الثلاثين لاغتيال المفتي الشهيد حسن خالد، مع ما كان بين الرجلين الكبيرين من وشائج وترابط وتحالف فيما يمكن تسميته آنذاك في زمن الوصاية السورية، أو احتلال الإرادة اللبنانية، مقاومة سياسية أينعت عام 2005 إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تحرراً لم يكن ناجزاً، لكنه كان في كل الأحوال منعطفاً حاسماً في تاريخ لبنان. 

وكأن وزير الخارجية جبران باسيل كان على موعد مع هذه اللحظة، عندما تجرأ على كشف أوراقه، وعلى تحديد خصومته: إنها مع السنية السياسية التي تغذّت على جثة المارونية السياسية، وحان الوقت لاسترداد كل تلك الامتيازات. كيف يكون ذلك، وهو حليف تلك السنية السياسية الآن؟ فهل من مقتضيات التسوية الرئاسية مكافأة الرئيس سعد الحريري على تنازلاته؟ جاءه الجواب من صاحب الشعار الجديد: "المقاومة السياسية" وعلى باب دار المرجعية السنية: دار الفتوى، فهل يكفي الموقف؟ وهل هذا هو الرد المناسب والمتكافئ، على مشروع متكامل ومتراكم، ويمكن أن ينسف الوفاق الوطني، ويكرّس الاختلال بعد الاحتلال؟

لا بد من فحص هذا المصطلح جيداً وتبيان مكوّناته ومضامينه وأبعاده وشروطه وظروفه، كما أنه من الواجب أيضاً، رسم برنامجه العملي كي يثمر توازناً حقيقياً بين الأفراد كما بين الطوائف، ويحفظ الكيان من الاختلال بالقدر الذي يحرّره من الاحتلال. فبلاغة الموقف ومتانة الألفاظ وحنكة المتصدّي للأزمة الوجودية التي يمرّ بها لبنان، قد تكون من قبيل الشروط الضرورية لقيادة سياسية واعية لكنها غير كافية، لردع المغامرين بمصير الوطن، باسم الحقوق المسلوبة المزعومة. وإن تهميش أهل السنة، كطائفة مؤسسة وأساسية، ولا يقوم لبنان من دونها، أو من دون وزنها، هو بمثابة الاعتداء الصارخ على الاستقرار، وإشارة واضحة على حجم الأحلام التي قد تصبح واقعية حقاً، إن استمررنا على هذا الإيقاع الهابط من فقدان المناعة في جميع المستويات، وليس ذلك محصوراً في المجال السياسي وحسب.

أولاً، يجب أن تكون مقاومة سياسية حصراً ، فعلاً وقولاً، فلبنان لا يحتمل نزاعاً عنيفاً، ولا حتى مجرد التلويح به أو الإلماح إليه. ولدى أهل السنة ما يكفي من نقاط قوة وأفضلية، يمكن استثمارها بالطريقة المثلى، لفرض السلم المجتمعي والسياسي على بقية الشركاء، ولمصلحة كل شركاء الوطن دونما استثناء. فاستعادة وزن الطائفة السنية في المعادلة السياسية بما يتناسب مع ثقلها الاجتماعي والتاريخي هو الشرط الضروري لديمومة التوازن الوطني لا العكس، وهي المدخل الإلزامي لازدهار كل لبنان وتمتع كل الطوائف بحقوقها المشروعة بخلاف ما يعتقده تيار أو حزب أو شخص.

ثانياً، إن السنة في لبنان ولظروف معقدة ومنها استهداف قياداتهم السياسية والدينية للتضييق والحصار وصولاً إلى الاغتيال كحل أخير، باتوا يعانون من تصحر سياسي بدا بارزاً بقوة بعد الانتخابات النيابية العام الماضي. فالعاملون في الشأن السياسي من هذه الطائفة، ليسوا بمستوى التحديات الهاجمة، ولا بقوة الطموحات الأخرى. ولا بد من فتح باب التصعيد للقيادات الشابة وتدريبها في الشأن العام وكافة التخصصات الحيوية، والتوقف عن التواكل وإيكال المسؤولية الكاملة للزعامة الحالية وحدها، وانتظار الخلاص من دون بذل جهد حقيقي.

ثالثاً، إن الثغرة الأساسية أو نقطة الضعف الفادحة لا تكمن في مكان أو مستوى أو حتى في جيل. فالأزمة عامة وشاملة، من تحت إلى فوق، وبالعكس دون مواربة. وإن لم نعترف فسنظل في تراجع حتى الاندثار، وإضاعة طائفة بكاملها لتكون بلا وزن، أي بلا حقوق، كما هو المسار حالياً. ولنكن واضحين، إن المعادلة تتركّب من زعامة وجمهور ومن طبقة سياسية وسطى، هي بمنزلة الصف الثاني، مرتع قادة المستقبل، ومحضن التجارب وتراكم الخبرة. وأرى أن الطبقة الوسطى من أصحاب الكفاية العلمية والعملية هي التي ينبغي الاهتمام بها لا إهمالها وإحباطها. فإذا صلحت، قويت الزعامة بسند قوي، ووجد الجمهور من يسيّر حركته.

رابعاً، أما الجمهور أو المجتمع بكافة أطيافه، فينكشف بسرعة أمام المخاطر على أنواعها، مع تراجع أداء المؤسسات الرعائية المدنية، وانحسار قدرة الدولة على تنمية المجتمع ومتابعة احتياجاته لأسباب باتت معروفة لكل مواطن. وثمة عمل كبير بانتظار من يتولى شؤونه ليكون ممثّله الحقيقي في الدولة وفي مؤسساتها، كما ليكون الساعي للتوازن والكفاية والتضامن بين الطبقات، وإلا فإن الانهيار الاجتماعي يوشك أن يصيب الطائفة بأعطاب وأضرار من الصعب معالجتها في المدى المتوسط، وربما على المدى الأبعد. ولن تكفي إطلاقاً، مساعدات ظرفية وغير دائمة، بل لا بد من إحياء التكافل الاجتماعي بأقصى سرعة، وأن يكون لمؤسسات دار الفتوى حصة الأسد من هذا الدور المطلوب، واستعادة مقامها الريادي.

خامساً، إن الموقف السياسي السني بإزاء القضايا الكبرى ومسلّمات العمل العربي، يجب أن يبقى بعيداً عن التناحر والاستقطاب، مهما تكن الخلافات أو الخصومات. فالمبادئ لا تمس، ولا تتبدل بين لحظة وأخرى. ولا يتحول الأبيض إلى أسود بسبب خصومة قد تكون عابرة في جوهرها، ولا يصبح العدو التاريخي حليفاً ولا صديقاً، بأي حال من الأحوال. وهذا الموقف المقتضى ترسيخه، هو صمّام الأمان في الداخل، وصائب في المدى الاستراتيجي في العلاقة مع المحيط العربي والإسلامي.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



صديق بلاده

جهاد الخازن

الثنائية من جديد

سمير عطا الله

ممسحة البيت

راجح الخوري

مصالحة ومصارحة

البروفيسور إيلي الزير



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...