Ayoub News


خاص أيوب


العمالة اللبنانية المحرومة بعد كلام زوجة رئيس الحكومة!

السبت 16 أيار 2020 - 10:03 4262

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي خلال اليومين الماضيين برسائل ونكات وفيديوهات من ناشطين بين مؤيد ومعارض لما صدر عن زوجة رئيس الحكومة حسان دياب السيدة نوار مولوي خلال إحدى المقابلات لها مع وزيرة الإعلام السيدة منال عبد الصمد عبر تلفزيون لبنان. وقد اقترحت السيدة الثالثة حلولاً للأزمة المعيشية تساهم في نظرها في التخفيف من الأزمة على اللبنانيين وخصوصاً العاطلين عن العمل، حيث قالت إنهم سيعملون على إنهاء عقود نواطير البنايات الأجانب وعاملات البيوت الأجنبيات وذلك لفتح المجال أمام اللبنانيين واللبنانيات لكي يعملوا مكانهم والتقليل قدر المستطاع من خروج الدولار عبر العمالة غير اللبنانية.

إذا ما أردنا أن نقارب ما قالته زوجة رئيس الحكومة بمنتهى الموضوعية وبعيداً عن أي منطلقات واعتبارات سياسية أو اقتصادية واجتماعية خفية كما عمد الكثيرون... يمكننا القول إن ما قالته يحتمل الكثير من الصواب فيما لو كان في بلد غير لبنان. ولكن ظروف لبنان السياسية والاقتصادية وعقلية الكثير من اللبنانيين التي تختلف من منطقة إلى أخرى ومن طبقة اقتصادية واجتماعية إلى أخرى، أثارت زوبعة من آلاف التعليقات، ودفع رئاسة الحكومة إلى إصدار بيان عن الموضوع.

اعتبر الكثير من مؤيدي الاقتراح على وسائل التواصل الاجتماعي أن كلامها منطقي في المبدأ، ولكنه لا يعفي الدكتور حسان دياب من واجب محاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين وزجهم في السجون من خلال القضاء واسترداد مئات المليارات من الليرات اللبنانية من الناهبين والمهربين ..  كما أن كلامها لا يعفيه من إغلاق المعابر غير الشرعية وضبط المعابر الشرعية البرية إضافة إلى المرفأ والمطار وضبط الجمارك والأملاك البحرية والنهرية والتعديات على المشاعات. كما عليه العمل على خلق فرص عمل جديدة في الزراعة والصناعة والتجارة والسياحة والخدمات على أنواعها من التربية والصحة والمواصلات من خلال جذب رؤوس الأموال الاستثمارية وتوظيفها في مشاريع تنموية متنوعة مما سيؤدي إلى استيعاب اليد العاملة الشابة اللبنانية من أصحاب الشهادات والكفاءات في وظائف تلائم تخصصاتهم. فإذا فعل كل هذا فسيعيش اللبنانيون بالتأكيد في حالة من الرخاء، وسيتمكنون من استقدام الكثير من العمال والعاملات الأجانب من الخارج لكي يعملوا في الأعمال التي يحجم اللبنانيون عن العمل بها عادة.

رفع الكثير من مؤيدي كلام السيدة دياب شعار "العمل ليس عيب" قائلين إن هناك أجيالاً من اللبنانيين ممن بدأوا حياتهم من تحت الصفر بأشواط واجتازوا المراحل الأولى بشق الأنفس حتى أكرمهم الله ورزقهم بوظيفة محترمة. ويعتقد الكثير من مؤيدي كلامها أن على كل شاب لبناني أن يعمل في وظيفة حتى لو لم تكن من عادة اللبنانيين العمل بها، لأن الشباب اللبناني

الفقير يمكنه العمل في محطات البنزين وكنس وجمع النفايات والعمل كنواطير في البنايات ... بينما يمكن للشابات اللبنانيات الفقيرات وخاصة من أهالي القرى النائية العمل في مجال الخدمة المنزلية بضوابط وشروط معينة. فمبلغ ال675 ألف ليرة الذي هو الحد الأدنى للأجور حالياً يبقى أفضل بكثير من البطالة والعوز والحرمان لأن الظروف الاقتصادية والمالية الاستثنائية تقتضي قرارات استثنائية من المواطنين اللبنانيين العاطلين عن العمل وبخاصة الفقراء غير المتعلمين، وإلا فسيكون مصير الكثيرين منهم الفقر والجوع وربما الهجرة. كما يشير الكثير من مؤيدي كلام زوجة رئيس الحكومة إلى أنه لا يجد طلابنا اللبنانيون مشكلة في العمل في محطات البنزين والمطاعم في الدول الأجنبية لإكمال دراستهم، وبعد ذلك يعملون في التخصص الذي تخرجوا منه. أما عندنا، فإذا أراد الطالب أن يعمل في المطاعم أو محطات البنزين كي يكمل دراسته فسيقابل بنوع من التعامل الطبقي، ويواجه عقبة البريستيج الذي يمنعه من الإقدام على هكذا خطوة. في حين أن العمالة الداخلية في كثير من بلدان العالم المتطورة في الغرب والشرق تختلف عما هي عندنا ولا تشكل هذه الأعمال أزمة للفئات الفقيرة من شعوبهم

وأشار بعض المتابعين إلى أن المسؤولية في هذا الموضوع لا تقع فقط على العامل اللبناني، ولكن على رب العمل اللبناني الذي غالباً ما كان يبحث عن اليد العاملة الأجنبية من سورية ومصرية وبنغالية وغيرها من أجل التهرب من التزامات يفترض أن يقدمها للعامل اللبناني مثل الضمان وغيره ولأنه يستطيع أن يهضم حق العامل الأجنبي بطريقة أسهل من العامل اللبناني. كما أن هناك عوامل نفسية عند ربات المنازل اللبنانيات قد تلعب دوراً كبيراً في منع استخدام عاملات لبنانيات منزليات منها الغيرة وعدم القدرة على السيطرة على العاملة اللبنانية كما هي الحال مع العاملة الأجنبية.

ومن جهة ثانية، فلقد فجر معارضو ما قالته زوجة رئيس الحكومة حسان دياب وسائل التواصل الاجتماعي بآلاف التعليقات والرسائل. وتنوعت منطلقات هجومهم على ما قالته، فالكثير منهم انطلق من منطلقات سياسية معارضة للحكومة ورئيسها بسبب موقف متخذ مسبقاً منها. وكثيرون انتقدوا كلامها انطلاقاً من اعتبارات وعادات اجتماعية وثقافية عاشوا عليها لعشرات السنوات قبل وبعد الحرب الأهلية اللبنانية، واعتبروا أن طرحها مرفوض، وأن هذا القاع الذي أوصلونا إليه مرفوض أيضاً. ويسألون لماذا نقبل لأبنائنا وبناتنا هذا الحضيض تحت ستار كليشيه متداول *(الشغل مش عيب)* والذين واللواتي يتداولونه هم أبعد الناس عنه ولا يقبلون به لأنفسهم ولا لأولادهم. ويعتبرون أن هذا الشعار هو فقط لاستغلال بؤس الناس أكثر فأكثر. وضربوا مثل بعض الشركات التي عمدت إلى وضع إعلانات، وصاغوها بشعار وطني لاستبدال العمال الأجانب باللبنانيين، وبأجور حوالي ٩٠٠ الف ليرة بالشهر مع ضمان، أي حوالي 200$ دولار في الشهر حسب سعر السوق. وهم يرفضون العمل بهكذا أجر ويعتبرون هذا ذلاً وحياة بائسة للمواطن في بلده. ويؤكدون أن نظرة المجتمع لهذا العامل أو العاملة على أنهم من طبقة اجتماعية دون المستوى. واعتبر الكثير منهم أن المجتمع اللبناني يعامل "الشغيل" على أنه عبد ... والبنت اذا اشتغلت بالبيت بيقطع نصيبها ... وينظر إليها نظرة استعباد، وأن المشكل في المجتمع الذي ينظر لهذا النوع من العمل نظرة استحقار. و إضافة إلى ذلك اعتبر بعضهم أنه لا يمكن مقارنة العامل اللبناني بما هي عليه الحال في الخارج، لأنه في الخارج له حقوق وله قوانين تحميه بينما في لبنان يعتبر هذا النوع من العمل *"استعباداً مقنعاً"*. كما رأى البعض منهم أن شهاداتهم ليس لخدمة المنازل ومحطات الوقود وذهبوا أكثر من ذلك بالقول: "ليس هناك مهنة حقيرة، و إنما هناك مبادرات حقيرة".* كما أن هناك فئة من المتابعين اعتبرت أنه عندما يصبح هناك قانون يحمي حقوق الطرفين: العامل ورب العمل فقد تستقيم الأمور. وأشار بعضهم أيضاً أنه كان ليقبل هذا الكلام ويستسيغه لو أنه صدر عن أحد آخر غير زوجة رئيس الحكومة الذي عليه خلق فرص عمل وتحريك الاقتصاد، لكن المشكلة أنها زوجة أهم مسؤول في البلد.

وللإنصاف بين الفريقين، يمكننا القول إنه لا شك أن مجيء العمال السوريين والمصريين والبنغال والسيريلانكيين والأثيوبيين من أقاصي الأرض للعمل في لبنان طمعاً في الحصول على الدولار الذي يساوي الكثير الكثير في بلدانهم بالرغم  من تكبدهم تكاليف السفر والسكن والمعيشة الغالية في لبنان لم يعد متاحاً لهم كما في السابق. فاليوم وبعد ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة يرفض العمال الأجانب في البيوت ومحطات الوقود والعديد من الشركات (شركات جمع النفايات خصوصاً) تخفيض أجورهم وقبضها بالليرة اللبنانية. وهنا يجدر القول إن هناك توجهاً في شركة رامكو اللبنانية لجمع النفايات لاستبدال العمال البنغال بلبنانيين خصوصاً بعد ثورة العمال البنغال منذ عدة أيام وتكسير وحرق معدات الشركة لعدم تمكنها من دفع رواتبهم بالدولار الأميركي بسبب شح الدولار وارتفاع ثمنه مقابل الليرة اللبنانية. لذلك لا بأس إن لجأ بعض اللبنانيين الفقراء العاطلين عن العمل في القرى والمدن للعمل في شركة رامكو في كنس وجمع النفايات بدلاً من العمال البنغال الذين يرفضون القبض إلا بالدولار من أجل إرساله إلى بلادهم. وبذلك قد نتجنب أزمة تكدس نفايات جديدة تلوح في الأفق إذا لم يتم إيجاد حل سريع لها

وبالإضافة إلى ذلك، فلو قررنا الاستغناء عن خمسين ألف عامل أجنبي وخمسين ألف عاملة أجنبية فقط، و لو اعتبرنا أن كلاً منهم كان يقبض 200$ شهرياً كمعدل (دون احتساب كلفة المكتب والإقامة و دبطاقة السفر والطعام والشراب واللباس والدواء) فتكون النتيجة 100000× 200 = 20،000،000 عشرين مليون دولار شهرياً × 12 شهراً = 240 مليون دولار سنوياً مع أن الأعداد والمعاشات قد تكون أكثر بكثير وهو مبلغ كبير لبلد صغير مثل لبنان سيضطر إلى طلب مساعدة صندوق النقد الدولي بشروط قاسية جدا للحصول على بضعة مليارات مقسطة على عدة سنوات ... وفي النهاية يبقى اللبنانيون الفقراء العاطلون عن العمل أحق من غيرهم بهذا المال...

في الختام، يمكن القول إنه صحيح أن العمل ليس عيباً، ولكن العيب الحقيقي هو أن يذهب اللبنانيون واللبنانيات ليعملوا خدماً في البيوت ومحطات البنزين في حين أن السارقين والفاسدين يسرحون ويمرحون في البلد دون أي حسيب أو رقيب. وكخلاصة يجب على الشباب اللبناني العاطل عن العمل الاعتماد على نفسه والتفكير جدياً بعقلية إنتاجية بعيداً عن روحية الاستهلاك والكسل لأن من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة. كما يجب تكريس فكرة أن العمل ليس عيباً فعلاً وليس قولاً فقط خصوصاً في هذه الظروف وتحديداً بالنسبة للفقراء العاطلين عن العمل، فما قالته زوجة رئيس الحكومة يبقى مجرد فكرة من الأفكار والمقترحات التي يجب أخذها بعين الاعتبار دون فرضها على أحد. فهي لم تطرح ذلك كحل للأزمة الاقتصادية والمعيشية أو كحل جذري لأزمة البطالة. وإنما مجرد فكرة لحل مشكلة عند فئة الأكثر فقراً من الشعب اللبناني. ومن خلال تأمين فرص العمل لهذه الفئة يبقى المال داخل البلد ولا تتسرب العملة الصعبة إلى الخارج، كما ينتفع ابن البلد من عمل حلال ورزق حلال فلا يضطر إلى التسول أو البحث في مستوعبات النفايات أو طلب المساعدة من أحد.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



ولا في الخيال

سمير عطا الله

الشفافية علاج

فادي عبود

مبادرة ماكرون غرقت

راجح الخوري



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...