Ayoub News


خاص أيوب


الطريق نحو إلغاء الطائفية وبناء الدولة المدنية

الأحد 31 أيار 2020 - 1:17 2437

كتب (هشام عليوان)

تغيب الدعوات إلى العلمانية ثم تطلّ من جديد في تناوب عجيب داخل دائرة مغلقة، وتستعمل مصطلحات مختلفة للتعبير عن العلمانية، منها الدولة المدنية، ومنها فصل الدين عن الدولة، ومنها إلغاء الطائفية المجتمعية وهي مرحلة متقدّمة عن إلغاء الطائفية السياسية، ومنها كذلك سنّ القانون المدني الإلزامي في الأحوال الشخصية، وفي أقل تقدير سنّ قانون اختياري للأحوال الشخصية.

في البدء لا بدّ من تقرير مسألة جوهرية، وهي أن الدولة القومية في النموذج الغربي المعاصر للدول، لا تحتمل وجود قانون آخر غير قانونها المدني، الذي يتساوى فيه كلّ المواطنين، في كلّ المجالات دون أيّ استثناء. ومن أجل ذلك، حين قرّر مصطفى أتاتورك إلغاء الخلافة العثمانية، استورد القانون المدني السويسري وجعله هو القانون في تركيا الحديثة، حتى في الأحوال الشخصية. على أن الانتقال من الخلافة إلى العلمانية في تركيا لم يكن فجائياً، بل سبقته مراحل طويلة ومتدرّجة، في محاولة التشبّه بالدولة الأوروبية القومية الصاعدة في أواخر القرن الثامن عشر، كأحد نتاجات الثورة الفرنسية عام 1789م. ويمكن اختصار ملامح الدولة القومية بثلاث عبارات: أرض محدّدة وموحّدة، ولغة واحدة، وقانون واحد. وهذا ما دفع الأتراك القوميين في أواخر الدولة العثمانية إلى فرض التتريك على الشعوب المحكومة، لاستعادة قوة متلاشية، فكان ذلك أبرز عامل من عوامل تفكّكها.

والسؤال هو هل ما أمكن تحقيقه في الغرب من علمانية متفاوتة في حدّتها يمكن تطبيقه في الشرق، فتقوم الدولة المدنية المستقرة؟ لا يمكن مقاربة الأمر من وجهة نظر أُحادية أو استنساخية وذلك لأسباب وجيهة عدة، ليس أقلّها أهمية أن العلاقة بين المسيحية والدولة مختلفة نوعياً عن العلاقة بين الإسلام والدولة. وبالأخص أن ظهور المسيحية لم يترافق مع إقامة دولة، ولم يُؤثَر عن المسيح أنه مارس سلطة أو دعا إليها، ولا ورد ذلك في الإنجيل، فيما العكس هو الصحيح في الإسلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن داعياً فقط، بل أنشأ سلطة، وفاوض وحارب، فكانت سيرته قدوة لمن بعده من الخلفاء. والقرآن يحكم كلّ أوجه الحياة، وفيه آيات تشريعية تفصيلية، من غير الممكن تطبيقها واقعاً من دون سلطة حاكمة، أي دولة. هذه هي الحقيقة دون مواربة أو تملّص أو تأويل.

ما يهمّنا هنا، تناول المسألة من وجهة نظر سياسية واجتماعية، في بلد متعدّد الطوائف، بل طوائف متنافسة ومتناحرة أيضاً وباسم الدين، وهذا هو الأسوأ. فلو اجتمع مجلس النواب غداً، وقرّر تعديل الدستور بالإجماع، لإلغاء الطائفية مطلقاً، ومعها المحاكم الكنسية والشرعية، وقوانين الأحوال الشخصية للمسلمين ولغير المحمديين، تمهيداً لترجمة ذلك في النظام السياسي أي إلغاء طائفية كلّ الرؤساء والموظفين العموميين، وتنظيم انتخابات نيابية وبلدية وفق القيد غير الطائفي، فهل ستقوم في لبنان دولة علمانية مستقرة، وهل سيتخلّص اللبنانيون من التوترات والأزمات الموسمية، كلّ عشر سنوات، أو أكثر، ومعها حروب ساخنة وباردة؟

لنبدأ بالجانب المسيحي الذي يخشى زعماؤه من الغالبية المسلمة الديموغرافية، فهل سيطمئنّ المسيحيون أخيراً في رحاب الدولة العلمانية؟ في البداية، سيرتاحون فعلاً وستكون الفرحة عارمة. لكن مع الوقت سيكتشفون أن المسلمين لن يفقدوا شعورهم الديني، ومن غير المفترض بالدولة العلمانية أن تحارب الأديان، وأنهم سيحافظون بشكل مضاعف على هويتهم الدينية، ويلجأون إلى الزواج الديني ولو سجّلوه في المحاكم المدنية، وسيسعون إلى تطبيق الشريعة مجتمعياً ما أمكنهم ذلك. والأخطر من ذلك، أن إلغاء المحاكم الشرعية سيعزّز لدى فئة منهم وإن كانت قليلة العدد، الشعور بالانفصام عن الدولة القائمة وبأنها لا تمثّلهم بأيّ شكل، فيبدأ الخروج عليها تدريجياً وبأساليب مختلفة. وكل هذا ببساطة لأن الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاق، ولا يمكن اختزاله ببعض القيم الأخلاقية وحسب.

مع الوقت، سيدرك كثير من العلمانيين المحتمّسين، أن الصورة الزاهية التي كانوا يتخيّلونها تندثر أمام أعينهم، وأن التوترات الاجتماعية والسياسية استأنفت مسيرتها بأسلوب آخر، وأن معضلة الأكثرية الغالبة والأقلية الخائفة، ستبقى مشتعلة في النفوس. فما هو الحلّ إذن؟ هل نوغل في الطائفية بدل ذلك؟

ليس عبثاً ما قرّره الآباء المؤسسون للبنان ما بين إعلان لبنان الكبير عام 1920 وإعلان استقلال الجمهورية اللبنانية عام 1943، حين وجدوا أن المسار الطبيعي هو إلغاء الطائفية السياسية، أي أن تكون الدولة مدنية، بغضّ النظر عن التعدّدية الطائفية للمجتمع. فما بين أن تكون الدولة دينية (مسيحية أو إسلامية)، وأن تكون الدولة علمانية، توجد منطقة وسطى رمادية، هي الدولة المدنية سياسياً، الحامية لحقوق الطوائف عبر مجلس الشيوخ.

ولنعترف أن السياسيين بعد الاستقلال، ارتدوا إلى الوراء بدل البناء على المكتسبات. قبيل الاستقلال لم يكن ثمة عرف مستقرّ بأن المناصب الأولى موزّعة حتماً على الموارنة والسنة والشيعة، بدليل أن مسلمين ومسيحيين ترشّحوا لمناصب مقرّرة ذهنياً لطوائف أخرى، مثل ترشيح الشيخ محمد الجسر لرئاسة الجمهورية، وترشيح إميل إدة لسامي الصلح لرئاسة الجمهورية حتى لا يصل خصمه بشارة الخوري. ومع الوقت، ترسّخ الاستثناء فصار قاعدة، ثم أصبح مقام الجمهورية حصناً حصيناً للموارنة يدافعون عنه بكل قواهم، وكذلك مقام رئاسة الوزراء ورئاسة البرلمان وكأنهما قدس الأقداس للسنة من جهة وللشيعة من جهة أخرى، وهذا أبشع ما توصّلت إليه الممارسة الطائفية في لبنان.

إن الدستور اللبناني بتعديلاته الأخيرة ولا سيما المادة 95 منه، ينص على آلية معقّدة لإلغاء الطائفية السياسية، فاتخذها بعض السياسيين ذريعة، لتعطيل المرحلة الانتقالية، وإحباط روحية الدستور ونصّه، من خلال ترسيخ الطائفية. لذا، فإن الثغرة الأساسية التي يمكن استئناف مسار إلغاء الطائفية السياسية من خلالها، بكسر العرف الدستوري أولاً داخل الطوائف نفسها وفيما بينها، من خلال تناوب الطوائف على تسلّم المناصب الكبرى في الدولة، لمرحلة زمنية قد تطول، لكنها تكسر نظرية المعاقل الطائفية في الدولة، والتعوّد على أن يقوم مسلم شيعي في رئاسة الجمهورية برعاية مصالح الموارنة، وأن يقوم أرثوذكسي في رئاسة الحكومة برعاية مصالح السنة، وأن يقوم سنّي في رئاسة البرلمان برعاية مصالح الشيعة، وهكذا دواليك.

هذه الخطوة الهائلة كفيلة وحدها، بزعزعة الاستقطاب الطائفي في البلاد، وهذا سينشر الاطمئنان بين الطوائف فيصبح الإلغاء الكامل للطائفية السياسية تحصيل ما هو حاصل فعلاً. 

 

اقرأ للكاتب أيضاً: ويبقى اتفاق الطائف هو الحلّ!

   



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



التضامن العربي

رضوان السيد

قول الحق

د. مصطفى علوش

الدولة الخرساء

راجح الخوري



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...