Ayoub News


خاص أيوب


السياسيون وعقلية الشنطة*...

الأحد 26 تموز 2020 - 2:03 2641

كتب (هشام عليوان)

الشنطة ومأ أدراك ما الشنطة. أفسدت العقول وشوّهت النفوس. أسقطت الهيبة، وأضعفت الهمّة. مزّقت الأواصر والقرابات، وشتّتت الروابط والصداقات. بسببها سُلّت الخناجر والقبضات، وانتشرت الأكاذيب والخيانات.

عند الحديث عن الفساد، يخطر بالبال نوع معيّن، أو أنواع شائعة، مثل أخذ موظف ما، سواء أكان صغيراً أم كبيراً، حتى برتبة وزير وما هو أعلى، رشوة من صاحب حاجة، أكانت هذه الحاجة قانونية أم لا، بهدف تطبيق القانون أو مخالفته. فمن الشائع، أن يدفع مواطنون "إكرامية" للموظف كي يقوم بواجبه بسرعة ودون تلكؤ، تطبيقاً للقوانين والأنظمة السارية لا غير. أما النوع الآخر، فهو دفع المال من أجل مخالفة القانون، والحصول على فائدة لا يستحقها الراشي، من خلال اختطاف القانون وتزوير المستندات وما إلى ذلك.

لكن ما هو أكثر دناءة وخبثاً، أن يسنّ نواب، انتخبهم الشعب، قوانين لمصلحة أفراد بعينهم، فكيف تكون مكافحة الفساد والقانون هو نفسه فاسد، وكذلك واضعه؟ وفي السياق ذاته، أن يسخّر صاحب سلطة صلاحياته في الإدارات والأجهزة، لمخالفة القوانين، ومنح أقرباء وأتباع امتيازات خاصة في أملاك عامة، بمقابل أو دون مقابل. أو يسخّر كلّ ما يحوز عليه في الدولة لملاحقة معارضيه، والتضييق عليهم في مناصبهم ومواقعهم ومصالحهم، ومنها تأخير ترقية وظيفية، أو إزالته من موقعه، أو نفيه إلى مكتب هامشي، أو نزع الصلاحيات منه يقبض راتبه دون أن يعمل شيئاً، وصولاً إلى الإضرار بهم، وتركيب ملفات زائفة لهم، وهذا أشدّ الفساد!

المسألة الأكثر حرجاً، أن بيئة الفساد ليست قاصرة على طبقة سياسية عريضة ومن يلوذ بها من منتفعين، بل إن الفساد ثقافة شعبية، بمعنى أن الناس في لبنان اعتادت على ميكانيكيات ممارسة الفساد، من مخالفة القوانين والأنظمة والالتفاف عليها، من دون استثناء أحد في طبقات المجتمع ولا شرائحه. ولا حاجة لتحديد مهن ووظائف في هذا المجال الحافل بالأعاجيب، بحيث تُدفع الرشى بسماحة نفس لكل من يمكن له تحقيق المراد. فلا يوجد رشوة من دون راشٍ ومرتشٍ، إذ ثمة ثلاثة أركان مجتمعة، لا الموظف المرتشي فقط. وتنشغل مؤسسات الدولة كل حين، في تشجيع الناس على الإمعان في هذا المسار المتعرج من خلال رفع مستوى الرسوم والضرائب كي تعوّض خسائرها من التسرّب الجاري إلى جيوب الموظفين على نحوٍ متدفق، وهكذا دواليك.

العمل السياسي نفسه، غارق في عقلية الشنطة حتى أخمص قدميه. شنطة رائحة وشنطة راجعة. يحلم السياسي بالشنطة، ويراها في يقظته شبحاً، يتلألأ أمامه. يبني تحالفاته وفق الشنطة، يشتم بسبب الشنطة. يصالح من أجل الشنطة. يرفع شعاراته إلى أعلى عليين، وفي قفا رأسه، يتأمل الشنطة. ويسقط في أسفل سافلين من أجل شنطة!

قد يقال الآن، إن زمن الشنطة قد ولى. بزغ عصر جديد لا شنطات فيه. حتى الدول المانحة باتت حريصة على تنفيذ مشاريعها التنموية بنفسها، وتحت رقابتها الصارمة، فلم تعد تكتفي بإرسال "شنطة" إلى خزينة الدولة، شيكاً أو تحويلاً، ولا حتى تأمن لأموالها إن أودعتها، مجرّد وديعة. فالدولار في لبنان، "ينبخّر" كما المازوت من المنبع إلى المصبّ، فثمة قطاع طرق "مجهولون"، يضعون يدهم على كل شيء.

تطالبون إذاً بمكافحة الفساد، واسترجاع الشنطات المنهوبة على الطريق، أو التي دخلت الباب الدوّار، فبدلاً أن تصبّ في لبنان عادت القهقهرى إلى مكان ما، جزيرة نائية لاستقبال الشنطات الطافشة، فلا بدّ أولاً من إخضاع العاملين في الشأن السياسي، أو الذين يرغبون بارتياد هذا المجال الخصب حتى لو كان من الطارئين، إلى جلسات علاج نفساني، لتخليصهم من عقدة الشنطة التي تحوّلت إلى هاجس وكابوس!

*الشنطة هي كلمة لبنانية تطلق على الحقيبة.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



مآلات الانهيار

رضوان السيد

عن الحياد

د. مصطفى علوش

علامة شطب على لبنان

راجح الخوري

داء التعثر

سمير عطاالله



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...