Ayoub News


خاص أيوب


الراعي وحياد لبنان: حدود النجاح والإخفاق

الثلاثاء 21 تموز 2020 - 4:05 2380

كتب (علي الشاهين*)

منذ أن وضعت البذور الأولى للبنان كياناً وهوية ودولة، وذلك منذ فخرالدين المعني في القرن السابع عشر الميلادي، وصولاً إلى إرساء واعتماد اتفاق الطائف عام ١٩٩٠، ومروراً بمحطات تاريخية كإعلان لبنان الكبير عام ١٩٢٠، والميثاق الوطني والاستقلال عام ١٩٤٣ وغيرها، يواجه لبنان مسألة بنيوية تتعلق بالجغراسية. وهي كما عرّفها علماء السياسة بتأثير الموقع الجغرافي لبلد ما على سياسته الخارجية.

وتخبرنا الوقائع السياسية والأمنية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وعلى مدى سبع عقود تقريباً، بأن اللبنانيين ومع نشوء إسرائيل على أرض فلسطين عام ١٩٤٨، ناهيك عن الصراعات العربية والدولية في المنطقة، كانت تضع لبنان في مآزق سياسية تُشغل مسؤوليه حيّزاً من الوقت إلى أن يخرج الوطن سليماً من هذه المآزق على صعيد السياسة الخارجية.

ويلحظ المراقب أن هذه الوضعية كثيراً ما كانت تسبّب أنواعاً مختلفة من الخسارات والضيق والقلق على صعيد الاستقرار والازدهار والأمن القومي. وكاد أن يصبح لبنان ضحية هذه الصراعات الإقليمية، وبسببها أطلق البعض عبارة "حروب الآخرين على أرضنا" ...إلا أن كل هذه الحروب والصراعات، ومنها الحرب الأهلية، انتهت باتفاق الطائف عام ١٩٩٠، والذي بدوره أرسى قواعد نظام حكم جديد للبلد، وحدّد لبنان رسمياً بأنه بلد عربي الهوية. وفي الممارسة السياسية، لا يدخل لبنان في صراعات ومحاور دولية وإقليمية تنعكس سلباً على أمن البلد وعلى الأمن القومي العربي.

الآن، ومع اشتداد الوضع السياسي الداخلي تشنجاً وانسداداً في الأفق حول كل الملفات، ومع العجز شبه الكلي عن الحصول على انفراجات في مختلف المسائل المعيشية والمالية والنقدية، إضافة إلى الخطوات المتعثرة للحكومة، في هذا كله، وخصوصاً فيما يتعلق بمحادثاتها مع صندوق النقد الدولي، وبعد التحذيرات الدولية العديدة التي أرسلتها الهيئات والمرجعيات الدولية من مخاوف قرب الانهيار الكبير للبلد، وبعد السياسات التي أعلنتها الحكومة بالتوجه شرقاً في حلحلة المسائل الاقتصادية، وما سبّب هذا كله من تخوّف انخراط لبنان في أنفاق الصراعات الإقليمية، وهي التي تظهر ساطعة لدى كل المراقبين خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، صدرت تصريحات نوعية ولافتة للبطريرك الكاردينال مار بشارة الراعي حول أهمية وضرورة اعتماد لبنان سياسة الحياد "الناشط والفعّال"، حيث قال في سياق عظته الأحد الماضي: "ليس نظام الحياد طرحاً طائفياً أو فئوياً أو مستورداً. بل هو استرجاع لهويتنا وطبيعتنا الأساسية، وباب خلاص لجميع اللبنانيين دونما استثناء. و رجائي أن يصار إلى فهم حقيقي مجرد لمفهوم نظام الحياد الناشط والفعال عبر حوارات فكرية علمية تكشف معناه القانوني والوطني والسياسي وأهميته للاستقرار والازدهار".

حول هذه المسألة يرى الدكتور حسان قطب رئيس المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات: "إن الحياد اللبناني يحب أن يكون إيجابياً بحيث يكون لبنان منفتحاً على العالم العربي، دون الانخراط في أية صراعات أو محاور سياسية متناقضة أو متصارعة، مما يوجب على لبنان أن يلعب دوراً وسيطاً في تسوية هذه النزاعات وتقريب وجهات النظر، لأن الحياد السلبي سوف يزيد من عزلة لبنان عن محيطه العربي والإسلامي والدولي، ويفاقم أزماته".

من جهته يرى الدكتور حسان حلاق (وهو مؤرخ وأستاذ في جامعة بيروت العربية) أن "الحياد مطلب قديم في لبنان منذ الاستقلال وحتى الآن. إنما لم ينفذ مرة واحدة من قبل أي عهد أو أي حكومة".ويوضح حلاق أن "دعوة غبطة البطريرك ليست جديدة. وهي لن تلقى آذاناً صاغية، ولأكثر من سبب موضوعي، يأتي في مقدمته انقسام الشعب اللبناني، بل عدم قدرة الدولة على أن تكون حيادية أمام أكثر من دولة إقليمية أو أجنبية".

وهنا رأي أخير يأتي أكثر تفاؤلاً من كلّ من حلاق وقطب، وهو رأي الدكتور القاضي خلدون عريمط رئيس المركز الإسلامي للدراسات والإعلام حيث يقول: "إن وثيقة الوفاق الوطني المعروفة بوثيقة الطائف، أكدت أن لبنان الحر السيد المستقل، هويته عربية. وهذه الهوية التي كرّسها الدستور، قد دفع اللبنانيون ثمنها دماء وشهداء وخراباً ودماراً إلى أن احتضن العرب مجدداً لبنان وقضيته بوثيقة الطائف بحيث يكون الولاء للبنان ولكل قضية عربية محقة. وعندما يطرح مجدداً حياد لبنان من قبل المراجع الدينية والسياسية، فهذا يعني أن فئة من اللبنانيين اختطفت حياد لبنان لإلحاقه بمحور إقليمي لا علاقة له بمصالح لبنان، ولا بمصالح العرب وبلدانهم. فالحياد الذي نفهمه كلبنانيين مسلمين ومسيحيين أن يكون لبنان واحة العرب وجسر تواصل وتفاهم بينهم. وحكماً أن لا نكون مع المشروع الصهيوني المعادي لبلادنا وأمتنا، وأن لا نكون في أي محور إقليمي أو دولي يهدد مصلحتنا الوطنية وعيشنا الواحد".

و يضيف عريمط: "من أجل ذلك نتفهم دعوة البطريرك الراعي، وندعم موقفه لتحرير الشرعية، وبناء لبنان الحر المستقل، والتعاون مع أشقائه العرب بحياد إيجابي بعيداً عن كل المحاور الإقليمية الحالمة بتمدد نفوذها إلى العواصم والحواضر العربية، ومنها سيدة العواصم بيروت الأبية".

ويختم عريمط: "هل يفهم و يتفهم أولئك المغامرون بوحدة لبنان وسيادته وعروبته لمصالح دينية ودنيوية يرفضها أكثرية الشعب اللبناني؟."

هنا وتأسيساً على ما ذكره الباحثون أعلاه يُطرح سؤال وهو التالي: هل تسمح الواقعية السياسية بنجاح تطبيق مبدأ الحياد في لبنان؟

يجمع الاختصاصيون في القانون الدولي العام على ضرورة توافر ثلاثة شروط على الأقل لإمكانية تطبيقه في لبنان، وهي: موافقة غالبية اللبنانيين عليه، وموافقة الدول المجاورة، وقدرة لبنان على حماية حياده بنفسه. وفي قراءة موضوعية لمواقف الأطراف الداخلية في لبنان ومسألة التناقضات والتباينات بين هذه الأطراف في معظم المسائل الخلافية السيادية وغير السيادية، ناهيك عن انحدار المصداقية للطبقة السياسية وللحكومة، وذلك عند الشعب اللبناني نفسه وعند الخارج على السواء، كل هذا المشهد السياسي يعيق إنجاز اتفاق أو إجماع لبناني على اعتماد مبدأ الحياد. وفي هذا الإطار يلاحظ ما يلي:

أولاً: يرفض (أو يربطه بشروط صعبة) قسم كبير من اللبنانيين حياد لبنان في ظل احتدام الصراعات الإقليمية في المنطقة، وهي عديدة ومتنوعة، وهي الصراعات التي سماها وليد جنبلاط منذ أيام بـ "صراعات الأمم على الشرق ولبنان".

ثانياً: ثمة تناقض حاد وكبير في الأهداف والمنطلقات في حياد لبنان عند كل الجارين للبنان (سوريا وإسرائيل).

ثالثاً وأخيراً: لا يستطيع لبنان أن يحمي حياده، وهو يعاني من انقسام داخلي شديد تجاه كل من طهران وواشنطن، مع الإشارة إلى أن الولايات المتحدة ترفض "أن تهتم بالمسالة اللبنانية إلا من زاوية الاهتمام بالإرهاب".

لهذا، فإن كل النظريات والطروحات والاقتراحات من حياد لبنان، يواجه تطبيقها صعوبات جمة. فلا يشبه لبنان دول عدم الانحياز، ولا يشبه سويسرا وحيادها. فلبنان هو لبنان الفريد بموقعه ودوره وارتباطه بصراعات وأحداث المنطقة..

وهنا نسأل ما هي إمكانيات تعايش أو مواجهة للبنان لهذه الصراعات؟ وما مدى إمكانية اعتماد الحياد؟

من يتدبر مشهد دينامية الحركة الجيوسياسية، وتحليل المواقف للدول الواقعة في دائرة "الشرق ولبنان"، يلحظ التوصيف الدقيق والعميق والصحيح لجنبلاط. فذروة التنافس والتناطح والمقارعة بين عواصم هذه الدول ارتفعت وتيرتها منذ أسابيع. وبالنسبة للبنان، من يقرأ ما نشر إعلامياً عن الاتفاقية الاقتصادية بين طهران و بكين، يستوحي الكثير فيما يتعلق بلبنان، وخصوصاً منطقة الشمال (طرابلس) ...

إذن دخل لبنان فعلاً في عين العاصفة الدولية والإقليمية. وما يحدث في الداخل ما هو إلا رذاذ بسيط لانعكاس ما هو في الخارج. وما يزيد قلقاً أن هناك عدم تناغم بين إمكانات لبنان للمواجهة وببن حجم مخاطر وتداعيات هذه الصراعات الأممية. وفي ذات الوقت، تبقى مسألة الحياد صعبة التحقّق في هذه المرحلة، خصوصاً أن لبنان يعاني من رخاوة وضعف وركاكة جبهته الداخلية أمام هذه الصراعات، وذلك في مختلف القضايا والمسائل والملفات. وما تصريحات جبران باسيل بالأمس حول الحياد إلا عينة بسيطة من هذه التباينات والخلافات بين الأطراف الداخلية.

* إعلامي و باحث في الشؤون السياسية

إقرأ أيضاً: بطرك الحياد



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



مآلات الانهيار

رضوان السيد

عن الحياد

د. مصطفى علوش

علامة شطب على لبنان

راجح الخوري

داء التعثر

سمير عطاالله



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...