Ayoub News


خاص أيوب


الحياد حلم أو واقع؟

الثلاثاء 28 تموز 2020 - 0:04 1215

كتب (عامر جلول)

عندما انكببت على قراءة ودراسة تاريخ الحرب العالمية الثانية من جوانبها الفكرية والسياسية والاقتصادية بشكل متعمّق. كنت أستغرب لماذا ألمانيا النازية التي سيطرت على أوروبا الغربية بحلول سنة 1941 قبيل التوجه شرقاً بأيديولوجية مساحة العيش التي تكلم عنها هتلر في كتابه "كفاحي"، لم يحتلّ سويسرا؟ لماذا لم تحتلّ تلك البقعة الصغيرة في أوروبا، رغم أنها تحوي العرق الجرماني الذي بسببه سقطت تشيكوسلوفاكيا وبولندا والنمسا؟ لماذا لم يحتل السويد؟

إنها ببساطة، سياسة الحياد التي كانت قد انتهجتها سويسرا والسويد منذ سنة 1815 بعد انتهاء الحروب البونابرتية.

خرج البطريرك بشارة الراعي خلال عظته الأسبوعية بطرحٍ جديد وجدير بالبحث والقراءة والتأمل، وأصبح مادة مثيرة للجدل في الوسط السياسي، وعلى مواقع التواصل الإجتماعي، وهو حياد لبنان.

من أين جاءت فكرة الحياد؟

الدولة الحيادية هي الصفة القانونية لبلد ما يمتنع عن المشاركة في أي حرب أو نزاع بين البلدان الأخرى. ويلتزم البلد المحايد مسافة واحدة من جميع الأطراف المتحاربة مع ضرورة اعتراف الدول الأخرى بنزاهة وحيادية ذلك البلد. هذه الفكرة خرجت من عمق أزمة متعدّدة الأوجه، أزمة سياسية داخلية وخارجية حيث أصبح لبنان في عزلة عربية ودولية غير مسبوقة، وأزمة اقتصادية خانقة أدت إلى طرد الآلاف من الموظفين، وتسكير شركات ومحلات تجارية، وإفلاس مؤسسات ضخمة، وأزمة مالية ونقدية حيث أصبح الدولار عملة نادرة الوجود ويتقاتل الجميع للحصول عليها، إضافة إلى أزمة اجتماعية وبوادر انفجار إجتماعي يلوح في الأفق. هذه العوامل ساهمت في ازدياد نسبة هجرة اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً بشكل كبير، وذلك ضمن إحصائيات محلية ودولية. هذه الأزمات الحاصلة لها سببان: الأول، تدخل حزب اللّه في كل من سوريا والعراق واليمن والبحرين ومناطق أخرى مما أدى إلى عداء عربي اصطحبه عداء غربي، بدأت ملامحه مؤخراً في ألمانيا ثم فرنسا وأميركا وغيرها من الدول. أما السبب الثاني، فعلى الصعيد الداخلي، تبرز أعمال السرقة والهدر في الدولة اللبنانية، وهي غير مسبوقة على مرّ التاريخ. هذه التداعيات، والمزاج الدولي والعربي المؤيد لمعاقبة لبنان حكومةً وحزباً أي حزب اللّه، دفعت بالبطريرك الراعي إلى أن يخرج بفكرة قد تؤدي إلى خلاص لبنان من أزمته وعزلته الخطيرة.

هل هي ممكنة؟

لم تأتِ فكرة الحياد من العدم. فالمناخ الدولي واضح المعالم، ولا يحتاج إلى الكثير من التحليل.

"إن الوضع في لبنان لم يعد يُحتمل إطلاقاً". هكذا كانت التصاريح الغربية والعربية  في الآونة الأخيرة، حيث إن المجتمع العربي والدولي مستاء من أداء الحكومة وحزب اللّه. وهذه كانت رسائل غير مباشرة للبطريرك كي يتحرك. كما أن زيارة الوزير الخارجية الفرنسي منذ يومين إلى لبنان وإلى بكركي تحديداً، إشارة دعم لهذا المقترح.

ولكن هل حيادية سويسرا قابلة للتطبيق في لبنان؟

إن لبنان للأسف هو عبارة عن مجتمعات قبلية وطائفية تعيش على بقعة جغرافية رسمتها لها سايكس بيكو. وهذا التعايش بين الطوائف لم يولّد الإلفة الاجتماعية ولا الوحدة الوطنية بينها، مثلما حصل في سويسرا حيث إنها تتكوّن من القوميات الألمانية والإيطالية والفرنسية والرومانثية. طبعاً هذا التنوع الذي من المفترض أن يولد مجتمعاً غنياً بالتنقاضات والتنوّع الثقافي. إنما ولدت فيه الأحقاد والاقتتال، مثلما حصل في 1958 و1975، وصدامات غيرها مثل 7 أيار 2008، وذلك لأن كل طائفة مرتبطة بكيان ودولة خارج الإطار الوطني الموجود في تلك البقعة. فالمسيحيون لهم ارتباط بفرنسا، والسُنّة بالمحيط العربي السني، والشيعة بإيران. وتلك الارتباطات لم تقتصر على ارتباط ثقافي بحت. إنما هو ارتباط عقدي وديني وفكري ليس من السهل أن تحيّده. والثورة السورية المثال الأكبر على هذا الارتباط، إذ إن الشيعة في لبنان متمثلة بحزب اللّه الذي قام ولا يزال حتى اليوم بدفع الغالي والرخيص للدفاع عن النظام السوري وجلب كل مليشيات الشيعة من كل أصقاع الأرض، وكما السُنّة بالمقابل أتوا إلى سوريا من كل أصقاع الارض أيضاً. والكثير من اللبنانيين ذهبوا إلى سوريا لقتال النظام السوري، كما أن المسيحيين كان لهم دور والدروز أيضاً في هذه المعركة.

 وعليه، فإن الحياد هو أشبه بعملية انسلاخ اللبناني عن ارتباطه العقيدي والديني مما يشكّل عائقاً كبيراً في وجه سياسة الحياد. وهناك عامل آخر، وهو عدم نضوج فكرة وطن نهائي للكثير من المسلمين في لبنان. فهذا عائق آخر قد يؤدي إلى عدم نجاح الحياد.

نهايةً، فإن الحياد فكرة جميلة، ولا بد من وضع جهدٍ لتطبيقها ضمن أطر وطنية لا شرقية ولا غربية. ولكن المعطيات الفكرية التي نعيشها تقول إنها فكرة أشبه بالمدينة الفاضلة التي نحلم بها جميعاً. وذلك بسبب انعدام الوعي لدى كافة الأفرقاء السياسيين على المستوى النخبوي والشعبوي.

أقرأ أيضاً: الراعي وحياد لبنان: حدود النجاح والإخفاق



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



مآلات الانهيار

رضوان السيد

عن الحياد

د. مصطفى علوش

علامة شطب على لبنان

راجح الخوري

داء التعثر

سمير عطاالله



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...