Ayoub News


خاص أيوب


الحريرية السياسية بين الإرث والوَرَثة

الثلاثاء 13 آب 2019 - 3:17 4334

كتب (أيوب)

في السياسة والفكر هناك ميراث وهناك ورثة، وكثيراً ما يخلط الناس بين الميراث والورثة عندما يكون الحديث عن ميراث سياسي تركه مفكر كبير أو زعيم أو قائد عسكري.

الخلط بين الميراث والورثة يحصل عند الكلام عن الحريرية السياسية تقييماً أو تحسراً أو استذكاراً. لقد تمكن الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعيداً عن موقف كل واحد منا من هذه التجربة من صياغة مدرسة سياسية خاصة به سُميت بعد موته بـ"الحريرية السياسية". قامت أركان هذه المدرسة الحريرية على مبدأ أولوية الدولة عبر عملية البناء والنهوض الاقتصادي حتى عندما تحدث الرئيس سليم الحص عن التركة الثقيلة في خطاب الثقة لحكومته الشهيرة في عهد الرئيس إميل لحود، عمدت صحيفة المستقبل (رحمها الله) الى التقاط صورة من الجو لجسر الحازمية "الشافروليه" الجديد ناشرة الصورة على صفحتها الأولى بمانشيت عريض "التركة الجميلة". لقد تمكن رفيق الحريري بديناميكية البناء من جعل كافة الأفرقاء السياسيين بشتى أنواعهم وفصائلهم يهرولون بشكل دائم وراءه سعياً للحاق به وحولت كل الخطابات المناوئة لمسيرته وكأنها أصوات تعارض البناء والتطور وراحة الناس. لقد اعتمد رفيق الحريري شعاراً لمدرسته السياسية صورة "المعمرجي" فكان يتقصد ارتداء قبعة حماية الرأس وهو يتفقد ورش الطرقات والأوتوسترادات الكثيرة في بيروت وخارجها. لقد لامس الرئيس الشهيد الشغف الطبيعي للناس وهو شغف البناء. وكم وقفنا ونحن صغار نتابع بشغف عمال البناء وهم يقومون بعملهم.

في 14 شباط 2005 اغتيل الرئيس رفيق الحريري واغتيلت معه حركة البناء والإعمار حتى إن كثيراً من الناس من كل الطوائف يقولون في مجالسهم "منذ اغتيال الحريري لم يوضع حجر في البلد". لقد دخل لبنان منذ ذلك التاريخ بعصر التعطيل الموزع على حلقات متعددة، وكأننا أمام مسلسل رمضاني، فاغتيل الرجل "المعمرجي" ومنعت الورشة من العمل...

عائلة الرئيس الحريري ورفاقه وجدوا أنفسهم أمام ميراث جميل وثقيل للرئيس الشهيد في المال والأعمال، وايضاً وتحديداً في السياسة، فكانت قيادة المسيرة لسعد الحريري بناء لرغبة العائلة التي تقاسمت الميراث المالي والتجاري، وميزت سعد الحريري بالميراث السياسي. في المال والأعمال.

هناك ميراث وهناك ورثة، وهذا أمر طبيعي. أما في السياسة، فهناك ميراث ولا وجود لورثة، وكل الشرائع الدينية والمدنية لم تتحدث عن ورثة للميراث السياسي.

لقد سعى الجميع من بينهم رفاق الرئيس الشهيد الى أن يكونوا ورثة لميراث الرئيس الحريري السياسي، ورثة للحريرية السياسية، وغفلوا أن المهمة هنا تقتضي أن يكونوا جزء من الميراث الحريري وليس قسماً من الورثة، وفي ذلك كان الخطأ المفصلي الذي يدفع الحريرية السياسية ومعها أكثرية السُنّة والحالمون السياديون ثمنها بقسوة في هذه المرحلة الدقيقة.

لقد سعى الجميع أن يرث المكتسبات السياسية التي حققها الرئيس الشهيد وكأنها عقارات وأصول مالية وغير مالية، فيما تلك المكتسبات هي عبارة عن أنماط لمباشرة الأشياء كل الأشياء في الإعمار والإنماء، والتعاطي مع الآخر، والتعاطي مع الخارج وآخرها في التعاطي مع المآزق وحروب الإلغاء والهيمنة.

لقد صاغ الرئيس الشهيد سياسة وأنت فيها تشعر أنك تقود دراجة هوائية بدولاب واحد. عليك كي تستمر بقيادتها أن تحرك قدميك طوال الوقت فعندما توقف حركة قدميك تسقط على الأرض. وهذا ما حصل توقف كل شيء بدأه الرئيس الحريري من الإعمار وصولاً الى الإعلام. لقد كانت الحريرية عوائل وطلاباً ونوابغ ومدن وقرى وبلدات، فإذا بها تتحول بعد اغتيال الرئيس الى منسقيات.

خطأ لم يرتكبه شخص واحد وتحديداً لم يرتكبه سعد الحريري لوحده بل ارتكبه بإمتياز رفاقه البارز منهم وغير البارز وما يزالون يرتكبونه كفعل يومي وموسمي. الكل يسعى لوراثة زعامة رفيق الحريري ولا يدركون أن ميراث رفيق الحريري السياسي لا يورث بل هو كشجرة السرو تسقيها لتتفيأ بها وليس لتأكل من ثمرها.

ميراث رفيق الحريري هو بالعمل الشغوف اليومي، هو بالمتابعة الدقيقة لتفاصيل الأمور. لقد تفوق رفيق الحريري على الجميع. إنه دائم المبادرة ودائم الحركة، ودائم العمل. كانوا جميعاً ينامون أما هو فلا ينام. كان الجميع يبدأ نهاره في التاسعة أما هو فنهاره يبدأ بعد صلاة الفجر. كانوا جميعاً عندما يعطون ترتجف أيديهم، كان وحده عندما يعطي يُدهش. لقد كان كما وصفه الرئيس صائب سلام "إنه رجل محب للعطاء" كان يعرف كيف يهاجم، وكيف ينسحب، وكيف يتكلم، وكيف يصمت.

بين الورثة والميراث فرق كبير في السياسة ولا خروج من كل المآزق الا عبر التخلي عن فكرة أن تكون من الورثة، والتصميم أن تكون إضافة في الميراث. ألم يقل الرئيس الشهيد تلك الجملة الجميلة التي نرددها كثيراً دون أن نعيها "ما حدا أكبر من بلده...".



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



الرهان الإيراني

رضوان السيد

محاكمة دون الحكم

سمير عطا الله

النبض السعودي

راجح الخوري

الليمون سنّي

جوزف الهاشم



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...