Ayoub News


خاص أيوب


"الثورة" ثورات.. و"المعارضة" معارضات..

الخميس 20 شباط 2020 - 10:26 4229

كتب (هشام عليوان)

لم تستفق الثورة بعد من صدمة نيل حكومة حسان دياب الثقة البرلمانية، رغم الجهد الميداني المكثف لمنع انعقاد الجلسة. وسبب الانصدام هو ارتفاع سقف المطالب المتوازي مع ارتفاع الصوت الغاضب في الشوارع والساحات. وليس من الضروري أن تكون المطالب واقعية أو قابلة للتنفيذ، وذلك بالنظر إلى مدى قدرة الثورة على التحشيد من جهة، والقدرة على فرض مطالبها من جهة أخرى. وقد تبيّن بالتجربة المرة تلو الأخرى، أن مطلب رفض الحكومة التابعة لأحزاب السلطة، من حيث التركيبة والأسماء وربما جدول الأعمال كذلك، لا يحوز على تأييد أكثرية الناس، الذين بفطرتهم البديهية، ينفرون من الفراغ ومن المجهول. وإن إسقاط حكومة ما من دون وجود بديل جاهز، يعني في السياسة العملية الذهاب إلى المجهول المعلوم، وهو انهيار الدولة ومؤسساتها على وقع أزمة نقدية حادة، وإفلاس غير معلن.

والسبب الثاني الأكثر عمقاً، أن الثورة اللبنانية لم تكن في يوم من الأيام، ومنذ 17 تشرين الأول، قطعة صلبة واحدة، بل لا ينطبق عليها مصطلح الثورة إلا من قبيل المجاز اللغوي، وإلا في أجزاء منها. فلو استعرضنا الحركة الشعبية من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، لوجدنا طيفاً متنوعاً من الألوان غير المتجانسة. ففي النبطية وكفر رمان وصور، هو أقرب إلى تحرّك اعتراضي محدود في مداه الجغرافي لعوامل مختلفة، وهو اعتراض سياسي أكثر انتظاماً مما هو في سائر المناطق، وصولاً إلى صيدا وإقليم الخروب حيث يصبح حراكاً شعبياً يقارب الانتفاضة، وهو حراك مطلبي وسياسي مختلط. وفي بيروت وضواحيها، تجتمع كل المواصفات المتباينة، ففيها تحرّك اعتراضي، وحراك شعبي أحياناً، وانتفاضة متفاوتة العزم، ورياح ثورية تهب عليها من الشمال والبقاع، مع لحاظ أن العاصمة هي موضع كل الأطياف الثورية أو الاعتراضية. ومع الامتداد صعوداً، يتصلّب عود الحراك ويشتدّ كانتفاضة ذات عصب، في ساحل المتن بجل الديب تحديداً، وفي البقاع الأوسط، فيما يتسم تحرّك البقاع الشمالي بأنه مطلبي مزمن. وانتقالاً، إلى طرابلس، يبدأ الحديث عن انتفاضة شعبية عارمة، تقترب إلى حدود الثورة الكاملة في عكار المنسية.

وبسبب هذا التنوع المعقد، فإن المطالب تختلف بطبيعة الحال. فمنهم من يريد إصلاحات محددة داخل النظام الحالي وإسقاط الطبقة السياسية، ومنهم من يريد إسقاط نظام الطائف وتدوين دستور جديد ودولة مدنية لا حقوق طوائفية فيها، أي مرحلة انتقالية. ومنهم من يريد حكومة مستقلة وانتخابات نيابية المبكرة حتى بالقانون النسبي التي جرت الانتخابات عام 2008 وفق قواعده، ومنهم من بات يريد وصاية أجنبية على البلد كي يعيدوا تأسيسه على قواعد أخرى.

أما في الجانب الموازي، فإن تشكيل حكومة غير تقليدية، بالقياس إلى الحكومات التي تشكلت منذ إقرار اتفاق الطائف وانتهاء الحرب الأهلية، والتي هي بمعظمها حكومات وحدة وطنية، فإن الأحزاب التي تعتبر نفسها خارج التركيبة الحكومية برمتها، تتلمس طريقها نحو المعارضة، وهي كأنها تخوض غمار تجربة جديدة. فالقوات اللبنانية وإن كانت أقرب إلى نبض الشارع، إلا أن الارتباك واضح في مواقفها. والحزب التقدمي الاشتراكي، مع أن له ماضياً عريقاً في المعارضة حتى داخل الحكومات التي شارك فيها دون انقطاع، إلا أنه بدا في حالة استغراب، مع ظهور الحراك الشعبي في بيئته الطبيعية، وهو تيار اعتراضي واضح. أما تيار المستقبل، وإن حاول التماهي مع الحراك الشعبي في بعض الأحيان، إلا أنه اصطدم بمبادئ الثورة ومطالبها التي لا تستثني أحداً ممن كان له إسهام في صنع السياسات، وفي المسؤولية عن الانهيار المالي والنقدي والاقتصادي مهما تكن المبررات. وقد بدا تيار المستقبل في بيانه الأخير، وكأنه يحاول استرداد خطابه السياسي السابق على التسوية الرئاسية لعام 2016، لكنه استرداد متأخر ولم يعد يجذب الجمهور الذاهب إلى ما هو أبعد في رؤيته وتطلعاته، فيما يبدو البيت السني، وخاصة البيت الحريري متصدعاً في القلب وعلى الجوانب، وباتت المعارضة في صلب الحريرية السياسية. ويبقى التيار الوطني الحر الذي هو الحزب الحاكم فعلاً وقولاً، ومع ذلك يحنّ إلى زمن المعارضة، ويعتبر أن الثورة صادرت "مُنتجه" الخاص، ويسعى إلى استعادته بأي وسيلة، حتى لو كانت الحكومة الحالية تخلو من حزبيين تابعين للتيار العوني، إلا أن الحكومة تحت الرعاية من هذا الحزب. فأي معارضة يخترعها التيار الوطني الحر.

وبكلمة واحدة، فقد تساوى الجميع، حكومةً، وثورةً، ومعارضةً، في الحاجة إلى مراجعة المكاسب والخسائر، استعداداً ليوم آخر قد يكون أشدّ وأمرّ. 



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



الخالة لطيفة

سمير عطا الله

عدّادات الموت

راجح الخوري

السلالمُ والجماجم

جوزف الهاشم

مستجدات كورونا

د. مصطفى علوش



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...