Ayoub News


خاص أيوب


احتراق صورة الزعيم

الخميس 3 تشرين الأول 2019 - 3:19 3123

كتب (هشام عليوان)

أبرز ما جرى يوم الأحد الماضي أثناء الحراك الاحتجاجي الشعبي على سياسات الحكومة، لم يكن الاحتشاد الاعتراضي ولا جولات الكر والفر قرب السراي الحكومي بوسط بيروت، بل كان إنزال صورة تجمع بين الرئيس سعد الحريري ووالده الشهيد رفيق، وأمين عام تيار المستقبل أحمد الحريري، في طرابلس مركز الثقل السني. قد تكون مصادفةً، عثور الغاضبين "المندسين" بحسب التعبير الشائع، على صورة تجمع عائلة الحريري، فلما أُنزلت وديست بالأرجل وأحرقت (بعد اقتطاع صورة الشهيد منها وإعادة لصقها)، بدا وكأن الرسالة من أشد ما يكون، من حيث لم يتوقع أحد في البيئة الحريرية لا غيرها. لكن التقاط صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية لهذه اللحظة الحرجة، وفتح ملف قديم يتعلق بالحياة الشخصية لرئيس الحكومة، عندما كان خارج السلطة عام 2013، ليس بالتأكيد مجرّد مصادفة، لا سيما وأن كاتب المقال، وضع الخبر في سياق متصل بين عامي 2013 و2019، وما وقع بينهما من انتكاسات متتالية لثروة الحريري، وصولاً إلى إقفال مؤسسات خاصة وحزبية تابعة له، وربط كل ذلك بمناسبة الانهيار الاقتصادي الذي يمرّ به لبنان، من قبيل ذكر الشيء بالشيء. فهل صحيح أنها مؤامرة كونية حيكت خيوطها بين نيويورك وبيروت مروراً بأقصى الجنوب الإفريقي؟ ليس هذا من اهتمام المقال، وقد لا يكون ممكناً أو مفيداً التعريج على هذا الاحتمال، بل من هو باب الرجم بالغيب كما كان يقول العرب قديماً. مع العلم أن الخطاب الدفاعي الاعتذاري عن الرئيس الحريري، اتخذ في الساعات التي تبعت انتشار خبر الـ16 مليوناً من الدولارات، وجهتين: الأولى نحو القول إن هناك افتراء مقصوداً لأغراض شخصية أو سياسية، فيما تتجاوز الثانية مرحلة النفي إلى التأكيد على الحرية الشخصية للسياسي، وبخاصة إن كان خارج السلطة.

ما يهمّ حالياً ليس الصورة بل إطارها المحيط بها، وما يجري حولها وبإزائها من تموّجات وتلاطمات. وفي أقل تقدير، إن أهم ما في الحكاية، صورة الزعيم المنطبعة في أذهان الجمهور المؤيد، ومصير هذه الصورة، وهي التي تثير القلق الحقيقي. وعليه، يمكن تناول القضية البالغة الحساسية وفق البنود التالية:

أولاً، إن الرئيس سعد الحريري ليس سياسياً عادياً، بل هو وارث الرجل الاستثنائي رفيق الحريري. وعلى هذا الأساس، يمكن مطالعة الوقائع وتمحيصها ما بين عام الاغتيال 2005 وإلى أيامنا، مروراً بالتسوية الرئاسية ومندرجاتها. فلا هو من نادي رؤساء الحكومة وحسب، ولا رئيس كتلة نيابية، بل هو زعيم أكبر طائفة في لبنان. ومن هذا المنطلق تختلف المعايير وتتفاوت النظرات. لقد كان "الرفيق" يتمتع بكاريزما جاذبة ومؤثرة. ووصلت تلك الكاريزما إلى الأوج لحظة اغتياله، وأفاد الرئيس سعد الحريري من هذا الوهج في السنوات الأولى التي أعقبت الاغتيال، فبدا استمراراً لوالده، واختلطت الصورة عند الناس، وكان هذا مفيداً جداً من الناحية السياسية والشعبية، وما زالت بعض بقاياها حتى اللحظة. وعليه، تبدو المعادلة منعكسة الآن، فكلما ابتعد الرئيس الابن عن صورة الرئيس الأب، تراجع الوهج والتأثير، فيزداد التعويل على الإنجازات والصفات ذات العلاقة بالرئيس الابن وحده، دونما ارتباط بصورة الأب وكاريزماه. وهذه تحتاج إلى جهد استثنائي.

ثانياً، وبناء على ما سبق، فليست الحياة الخاصة للرئيس الحريري، ملكه وحده، بالنظر إلى دوره وموقعه وتاريخ عائلته، وأثر كل ذلك، على مسار طائفة كبرى، ومصير بلد. وفي العلاقة المعقدة بين الزعيم وأنصاره المخلصين، تنشأ حالة من التوحد والتماهي بين الطرفين، من دون وعي ولا قصد طبعاً، بل هذا هو الحال عادة. وبغض النظر عن أقاويل ومزاعم الحريريين الجدد، والتي تملأ فضاءات التواصل الاجتماعي، دون أن تكون مقتنعة فعلاً بما تقول، بل هي صادقة في أهدافها المنفعية المتوهمة وحسب، فإنه لا يمكن الفصل بين الواقع والمثال في حياة الزعيم. وكلما اقترب الزعيم من مثال الناس ونموذجهم تصاعدت صورته وتوثّق وضعه وموقعه، والعكس صحيح تماماً.

ثالثاً، بالمقابل، قد يكون الرئيس الحريري يتعرّض للظلم إن حُمّل فوق ما هو قادر عليه، أو أن نعتبره بالقوة صورة انعكاسية عن مثالية المجتمع المناصر له، وقد باتت البيئة الشعبية الحاضنة، تفتقد بمعظمها هذه الأيام، المثال الأخلاقي الجامع، بل أضحى وجهة نظر وحسب، بعدما تلوّثت حتى الصميم بالعقلية النفعية الآنية، والتي لا تبالي بالتقلّب السياسي كل يوم أكثر من مرة، ما دام هذا التقلّب المتسارع يحقّق مصلحة، أو في أقل تقدير، يقرّب ولو وهمياً من هذه المصلحة المرتجاة. واستناداً لهذه الرؤية، فلن يؤثر شيء في صورة الزعيم المنطبعة في الأذهان، فلا حرق الصورة المادية ولا المعنوية، يهزّ من التأييد أو يزعزع الولاء المطلق. لكن هذا الاستنتاج ليس دقيقاً ولا جازماً، وتلك هي المشكلة.

أخيراً، ماذا بعد احتراق الصورة؟ وهل يختلف ما بعده عما قبله؟  وهل الرئيس الحريري في استقرار مسار، أم في تصاعد أو تراجع؟ على خلاف ما قد يعتقده بعض المستعجلين، فإن الطريق لم تصل إلى منتهاها، وما زال متاحاً استرجاع مسار معيّن أو استعادة اتجاهه، لكن المؤكد، أن الأمل يتضاءل باطراد، مع الافتقاد إلى إمكانيات الخروج من الإطار الحالي، لأكثر من سبب.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



فحم السياسات

راجح الخوري

انتفاضة

سمير عطا الله

الرئيس والطاولة

جوزف الهاشم

وطن الأرز

البروفيسور إيلي الزير



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...