Ayoub News


خاص أيوب


اسطورة لبنان الكبير.. كبّروه كي يحكموه

الاثنين 2 أيلول 2019 - 3:17 3943

كتب (هشام عليوان)

كأننا في لبنان، نعيش لحظة ما قبل تأسيس لبنان الكبير، بنزعات الهوية ونزاعات القومية. فإذا نحن فريقان مرة جديدة، فريق مع الأمة وفريق مع الطائفة. وهذه الطائفة المميزة ممزقة بين اتجاهين: الحرص على الجغرافيا بتمامها، والخوف من الديموغرافيا بنموها المطرد. وفي كلا الحالتين، يسود مزاج متجدد يدعو إلى استعادة الوضع المميز الذي على أساسه قام لبنان الكبير، وهو ما يعبّر عنه بامتيازات الطائفة المارونية خاصة، وصلاحيات رئيس الجمهورية. هو العودة إلى التنازع الداخلي بين لبنان صغير نقي ولبنان كبير متنوع. لكن لبنان الصغير غير قابل للحياة بنظر العقلاء، ولبنان الكبير لا يصلح للبقاء من دون إلغاء الطوائف الأخرى.

كل دولة قديمة أو حديثة تزعم العراقة التاريخية، تحتاج إلى أسطورة. ولبنان ليس استثناء، ويحتاج بدوره إلى أسطورة تأسيسية، من أجل تكوين هوية قومية واحدة، رغم أنه مؤلف من طوائف شتى، والطائفية الدينية في لبنان، نوع من الأيديولوجية الإثنية، التي تجعل الوطن منحة أبدية لطائفة بالأصالة، ولبقية الطوائف بالتبعية. هكذا وُلد لبنان الكبير عام 1920 بقرار من ممثّل الاحتلال الفرنسي الجنرال غورو، بعدما رجوا البطريرك الماروني آنذاك إلياس الحويك للمجيء إلى باريس (بحسب الرئيس بشارة خوري في مذكراته حقائق لبنانية)، والمطالبة بهذا اللبنان وأن يكون تحت إشراف فرنسا، أي احتلالها. بكلمة أخرى، كبّروا لبنان كي يحكموه، لا ليسلموه إلى الطوائف اللبنانية مجتمعة تحت علمها الوطني، وإلا لماذا نحتفل بالاستقلال؟ أما اعتبار الحكم العثماني احتلالاً، واعتبار الاحتلال الفرنسي نفوذاً، فهذا ليس من المسلّمات الوطنية التي ينبغي لرئيس البلاد التمسك بها، بل هي مسألة خلافية في الصميم، وتستدعي جراحات الهوية التي جهد زعماء وطنيون طويلاً على طمرها تحت غياهب النسيان!

لقد نشأ لبنان الكبير باختلال بنيوي واضح بحسب تعبير المؤرخ عصام خليفة في كتابه من الميثاق الوطني اللبناني إلى الجلاء (1938-1946)، وهو رفض أغلبية إسلامية للبنان المعلن عام 1920. وإذا كان المسلمون المعارضون للكيان آنذاك، هم سكان بيروت ونواحيها بمعنى المدن الساحلية طرابلس وصيدا وصور، والأقضية الأربعة والتي هي بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا، التي ضمت إلى لبنان، فكيف يقال عنها إنها الأراضي اللبنانية المستعادة أو المسترجعة؟ (بحسب ما جاء في العدد الخاص لمجلة مرايا التراث بمناسبة مئوية إعلان لبنان الكبير) هل الأرض لبنانية وسكانها غير المسيحيين مجرد مقيمين؟ وهل كان سكانها محتلين لها، فيما السيادة عليها للبنان، (أي لبنان؟)، وهو الاسم الحصري للجبل. إن المراسلات والعرائض التي أرسلها البطريرك الحويك والسكان المسيحيون في الجبل كما في الأقضية الأربعة، تنضح بمبررات من كل الأنواع. حتى جاء في بعضها أن البقاع منطقة لبنانية لأن تربتها من الجبل وقد جرفتها السيول (راجع كتاب حكمت ألبير الحداد لبنان الكبير). فيما برز القول إن لبنان يختنق في الجبل، ويهاجر سكانه إلى أميركا، ولا بد من سهل خصب لتأمين طعام الناس، وإلى موانئ للتصدير والاستيراد. فالأصل هو الجبل، والمطلب هو تأمين حياته بضم السهل والساحل إليه. أما موقف السنة من لبنان، وخاصة في فترة التحضير لقيام لبنان الكبير وحتى بعد إعلانه، فيسهب المؤرخ والسياسي البيروتي محمد جميل بيهم في سرد التحركات التي قام بها المسلمون السنّة خاصة للوحدة مع سوريا، ورفض الانتماء إلى لبنان، وذلك في كتابه المهم النزعات السياسية بلبنان عهد الانتداب والاحتلال 1919-1945، فكان مؤتمر الوحدة السورية ومؤتمر الساحل، ولقاءات أخرى لجمعيات وشخصيات سنية تدعو إلى نبذ لبنان. إلا أنه مع الوقت تبدّل المزاج الإسلامي وكذلك المزاج المسيحي في الثلاثينات مع تقارب بين مثقفي الطائفتين، فولد الميثاق الوطني، الذي هو الحدث التأسيسي الحقيقي للكيان اللبناني وليس إعلان لبنان الكبير، (راجع كتاب باسم الجسر ميثاق 1943 لماذا كان؟ وهل سقط؟).

قد يقال إن الذكرى المئوية لإعلان لبنان الكبير، وتوافق العام المقبل، قد تكون مارست ضغطاً معنوياً على الخطاب السياسي، فجرى تمجيدها وتعظيم روّاد الحدث من دون التدقيق في المسألة التاريخية ومفارقاتها السياسية. لكن الممارسة اليومية تنفي هذا التبرير أو تدحضه، فما يشهده لبنان منذ التسوية الرئاسية وحتى اليوم، إنما هو تكرار لأساطير التأسيس، التي تبدو غير ملائمة لمعطيات المرحلة الراهنة. فليس من المستساغ العودة إلى حكايات الطائفة المميزة والتي وُجد لبنان الكبير من أجلها. فتلك لحظة قد انقضت، وثمة وقائع مختلفة تماماً. ولم يعد هناك خيار مطروح إطلاقاً بين لبنان صغير ولبنان كبير. بل إما أن يكون ملتقى الطوائف وفق مبدأ العدالة في الفرص وفي الحقوق، أو لا يكون.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



عدوان بقيق وخط فهد

أحمد عدنان

ابتسم أنت في لبنان

سمير عطا الله

ثورةٌ بلا دماء

جوزف الهاشم

إيران والحرب

رضوان السيد



حنين لـ أيوب يحاور

حنين لـ"أيوب": القانون النسبي مشروع فتنة

رأى الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين في حوار مع "أيوب" أن المجلس النيابي...